مراجعة علي قصة الأيام للصف الثالث الثانوي word 2018 سؤال وجواب

مراجعة علي قصة الأيام للصف الثالث الثانوي word 2018 سؤال وجواب
    مرحباً بكم كل زوار وأصدقاء موقع أوائل الطلبة التعليمي في موضوع جديد مهم ومفيد جداً اليوم مع طلبة وطالبات الصف الثالث الثانوي نقدم لهم اليوم مراجعة قصة الايام سؤال وجواب لكي نساعدهم علي التفوق والتقدم والانتهاء من سؤال القصة في إمتحان اللغة العربية قصة الأيام وورد هدية لكم ويمكن الحصول علي القصة من خلال رابط التحميل المتوفر لكم في نهاية هذا الموضوع أو يمكن الاطلاع عليها اون لاين من خلال هذا الموضوع .

    قصة الايام سؤال وجواب, قصة الأيام وورد, قصة الأيام المقررة على طلاب الثانوية العامة doc, قصة الأيام وورد, قصة الأيام المقررة على طلاب الثانوية العامة pdf, قصة الايام لطه حسين, قصة الأيام المقررة على طلاب الثانوية العامة, قصة الأيام تلخيص

     قصة الأيام المقررة على طلاب الثانوية العامة

    التعريف ب طه حسين
    طه حسين (1889-1973) عميد الأدب العربي واحد من أعظم وأهم - إن لم يكن أهم - المفكرين العرب في القرن العشرين لدوره التنويري العظيم وإن كانت آراؤه محل جدال كبير .
    ولد طه حسين في الرابع عشر من نوفمبر سنة 1889 في عزبة (الكيلو) التي تقع على مسافة كيلومتر من (مغاغة) بمحافظة المنيا بالصعيد الأوسط. وكان والده موظفًا صغيرًا في شركة السكر ، أنجب ثلاثة عشر ولدًا ، سابعهم طه حسين.
    كُفَّ بصره وهو طفل صغير نتيجة الفقر والجهل المستشري (المنتشر) في المجتمع من حوله فلقد أصيب بالرمد فعالجه الحلاق علاجاً ذهب بعينيه ، ولكنه كافح كف البصر فأخذ العلم بأُذُنَيْه لا بأصابعه فقهر عاهته قهرا ، وحفظ القرآن الكريم في التاسعة من عمره قبل أن يغادر قريته إلى الأزهر طلبًا للعلم ، وتمرّد على طرق التدريس بالأزهر وعلى شيوخه , فانتهى به الأمر إلى الطرد منه 1908 م .
    التحق بالجامعة المصرية الوليدة (1) التي حصل منها على درجة الدكتوراه الأولى له في الآداب سنة 1914 عن أديبه المفضّل أبي العلاء المعري برسالة موضوعها: " تجديد ذكرى أبي العلاء " .
    ثم سافر إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه وعاد منها سنة 1919 بعد أن فرغ من رسالته عن ابن خلدون , فعمل أستاذًا للتاريخ اليوناني والروماني إلى سنة 1925 ، حيث تم تعيينه أستاذًا في قسم اللغة العربية مع تحول الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية. وما لبث أن أصدر كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي أحدث عواصف من ردود الفعل المعارضة لآرائه التي اعتبرها البعض آراء فاسدة مدفوعة بأغراض غربية .
    ترقى في مناصبه سريعاً حتى أصبح عميدًا لكلية الآداب سنة 1930 م  ، ولكنه حين رفض الموافقة على منح الدكتوراه الفخرية لكبار السياسيين سنة 1932 م تعرّض إلى الطرد من الجامعة التي لم يعد إليها إلا بعد سقوط حكومة صدقي باشا
    كان انحيازه دائماً للمعذَّبين في الأرض (الفقراء)فعندما عُيّن وزيرًا للمعارف في الوزارة الوفدية سنة 1950 م , وجد الفرصة سانحة لتطبيق شعاره الأثير (التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن) ، و استصدر قرارا بمجانية التعليم العام حتى مستوى الثانوي وكان لهذا القرار نتائج سياسية واجتماعية وثقافية لا تقل عن ثورة اجتماعية
    وفكرية كاملة.
    ثم أصبح بعد ذلك عام 1963 م رئيسًا للمجمع اللغوي (الرئيس الثالث) ، ونال تقدير الدولة فأهديت إليه في عهد الثورة قلادة النيل وهي أرفع الأوسمة المصرية و لا تمنح تلك القلادة إلاّ لرؤساء الدول و الملوك .
    و مؤلفاته التي أثرى بها المكتبة العربية تصل إلى نحو مائة كتاب بين مؤلف ومترجم منها : (حديث الأربعاء - مرآة الإسلام - الوعد الحق - مع المتنبي - الشيخان - على هامش السيرة - دعاء الكروان - حافظ وشوقي) وغيرها.
    توفي في 26 أكتوبر سنة 1973.
    التعريف بالكِتاب
    الأيام أول سيرة ذاتية جادة سبَّاقة في واقعيتها وصفاء لغتها ، وقد كتبها طه حسين عن نفسه عام 1926 م ؛ ليعطينا فيها صورة صادقة عن حياة الصبا القاسية التي قاوم صعوباتها ومشقاتها مثلما قاوم العمى والجهل ، وتعد الأيام أول كُتُب السيرة الذاتية في الوطن العربي
    يتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء
    الجزء الأول يتحدث فيه طه حسين عن طفولته بما تحمل من معاناة ، ويحدثنا عن الجهل المطبق على الريف المصري وما فيه من عادات حسنة وسيئة في ذلك الوقت .الجزء الثاني يتحدث عن المرحلة التي امتدت بين دخوله الأزهر وتمرده المستمر على مناهج الأزهر وشيوخه ونقده الدائم لهم وحتى التحاقه بالجامعة الأهلية.

    يوم مجهول
       لا يذكر الطفل لهذا اليوم اسما ولا يستطيع أن يعرف له وقتا محددا , وإنما يقرب هذه الذكرى تقريبا , ويرجح أن ذلك الوقت يقع في الفجر أو العشاء , ذلك لأن وجهه في ذلك اليوم المجهول تلقى شيء من الهواء الخفيف البارد الذي لم تمسه حرارة الشمس , كما أنه يذكر أنه تلقى نورا هادئا خفيفا تغطي الظلمة جوانبه , وما يؤكد أن هذا الوقت كان في الفجر أو العشاء أن الصبي لم يشعر بحركة قوية , وإنما كان يشعر بحركة ضعيفة مقبلة على النوم أو مستيقظة منه .
    السياج والأرنب من ذكريات الطفولة
       لم يبقى لهذا الصبي من ذكريات هذا اليوم المجهول سوى ذكرى السياج الطويل من القصب والذي كان يحيط بالبيت وليس بينه وبين الباب إلا خطوات قصار , فهو -السياج- أطول من قامة الصبي قليلا فلا يستطيع أن يثب من فوقه, وكان قصبه متقارب لدرجة التلاصق لدرجة تمنعه من الانسلال من بين قصبه , وكان ممتدا عن شماله إلى حيث لا يعلم له نهاية, وعن يمينه إلى حيث قناة بعيدة  , كان لها في خياله تأثيرا عظيم .
       وكذلك يذكر من ذلك اليوم الأرانب التي كان يحسدها على قدرتها على الوثب خارج السياج , أو الانسياب من بين قصبه , والخروج من البيت متى شاءت لتأكل ما وراءه من نباتات . ويذكر الصبي من هذه النباتات الكرنب خاصة .
    أو قات التفكير وصوت الشاعر
       وكذلك فإن الصبي كان يذكر من هذا اليوم أنه كان يحب الخروج من البيت بعد غروب الشمس , وبخاصة بعد أن يتعشى الناس , فكان يعتمد على قصب السياج , وتأخذه التأملات والأفكار بعيدا عن أرض الواقع فلا يرده إلى الواقع إلا صوت الشاعر الذي كان يجلس على شماله الصبي , ويلتف حوله الناس يستمعون إلى إنشاده وحكاياته عن أبي زيد الهلالي والزناتي خليفة ودياب. فتجد أن كل الناس سكوت فلا تسمع لهم صوتا إلا حين يستخفهم الطرب , أو تستفزهم الشهوة , فيتمارون ويتخاصمون , فيسكت الشاعر حتى يصمتوا بعد وقت طويل أو قصير ثم يكمل إنشاده بنغمة عذبة لا تكاد تتغير.
    ذكريات أليمة
       ويذكر الصبي أنه ما خرج يوما إلى السياج إلا وشعر بحسرة لاذعة , وذلك أنه كان يعرف أنه بمجرد الخروج فإن أخته ستقطع عليه نشوة استماعه إلى إنشاد الشاعر , وذلك أنها ستدعوه للدخول فيأبى وبالتالي ستخرج إليه وتحمله بالقوة وتجري به إلى أمه , حيث تضع رأسه على فخذي أمه فتفتح له عينيه المظلمتين وتقطر فيهما ذلك السائل الذي يؤذي عينيه ولا يجدي في شيء ,وهو وإن كان يشعر بألم شديد إلا أنه لم يكن يبكي ولم يكن يشكو , وذلك أنه لم يرد أن يكون كأخته الصغيرة التي دائما ما تبكي بكاء وتشكو .
       ثم تنقله أخته إلى زاوية في حجرة صغيرة لكي ينام على حصير مبسوط في الأرض فوقها لحافا وتلقى عليه لحافا آخر وتتركه في حسراته , حتى أنه من شدة الحسرة كان يمد سمعه كأنه يريد أن يخترق الحائط لعله يسمع بعضا من تلك النغمات الحلوة التي يرددها الشاعر .
       ولا يصرفه عن تلك الحسرة إلا النوم , فما يشعر إلا وقد  استيقظ والناس نيام وإخوته بجانبه يغطون في النوم غطا شديدا , فيكشف اللحاف عن وجهه بين التردد والخوف لأنه كان يخاف أن ينام مكشوف الوجه.
    أوهام وتصورات ومخاوف أثناء النوم
       فقد كان الصبي الصغير واثقا بأنه لو كشف وجهه أو أخرج أحد أطرافه من تحت اللحاف لعبث بها أحد العفاريت التي تملأ كل أرجاء البيت , والتي لا تهبط تحت الأرض إلا بعد بزوغ الشمس فإذا جاء الليل وأوى الناس إلى مضاجعهم وهدأت الأصوات خرج العفاريت من تحت الأرض وملأت الفضاء حركة واضطرابا وتهامسا وصياحا .
    الاستيقاظ فجرا والضوضاء التي كان يصنعها
       كان الصبي كثيرا ما يستيقظ فجرا فيسمع صياح الديكة والدجاج ويجتهد في أن يميز بين هذه الأصوات , فكان يرى أن بعضها أصوات لديكة حقيقية والبعض الآخر ما هو إلا أصوات للعفاريت التي تقلد الديكة , ولكنه لم يكن يخاف من أصوات العفاريت , وذلك أنها كانت تأتيه من بعيد
       ولكن خوفه الأكبر إنما كان ينبع من تلك الأصوات التي تصدر ضئيلة وضعيفة من زوايا الحجرة , يمثل بعضها أزيز المرجل , يغلي على النار , وأصوات حركة المتاع حينما ينقل من مكان لآخر , وكذلك كان يخاف من صوت الحطب حينما يقسم أو يتحطم .
       بل إن الخوف وصل به إلى درجة توهم بعض الأشياء التي لم يكن لها أساس من الواقع , فهو يتوهم هناك من يقف على باب الحجرة يسده عليه سدا منيعا , وهذا الشخص يقوم بحركات مختلفة وغريبة تشبه لحد كبير حركة المتصوفة  في حلقات الذكر .
       هذه المخاوف والأشباح التي كان يشعر بها الصبي لم يجد له حصن منها سوى ذلك اللحاف الذي يلفه حول وجهه , دون أن يدع بينه وبين الهواء منفذ  أو ثغرة , فقد كان واثقا كل الثقة بأنه لو تر ثغرة ولو صغيرة فإن العفريت لابد أن يدخل منها العفريت يده إليه .
      ولذلك كان يقضي ليله في هذه المخاوف والأوهام والأهوال إلا حينما يغلبه النوم , فينام قليلا وسرعان ما يستيقظ ليكمل رحلة المخاوف والأوهام ,ولا تستقر من الخوف إلا حينما يسمع أصوات النساء وهن يتغنين (الله ياليل الله......) فهنا يعرف أن الفجر قد حضر وأن العفاريت قد هربت إلى تحت الأرض وهنا يتحول هو إلى عفريت ,فيظل يتحدث غلى نفسه بصوت عال ويتغنى بما يحفظ من أناشيد ويغمز إخوته حتى يوقظهم جميعا . ويظل يلعب معهم حتى تتعالى أصواتهم وصيحاتهم , ولا يوقفهم عنها إلا صوت الشيخ الذي استيقظ لصلاة الفجر وقراءة ورده من القرآن  وشرب القهوة , فإذا ما أغلق الباب وراء الشيخ بعد خروجه عادت الصيحات واللعب حتى يختلط بالطيور والماشية التي في البيت

    س1 : ما اليوم الذي لا يتذكره طه بدقة ؟
    جـ : أول يوم له خارج البيت انطبع في ذاكرته من ذكريات الطفولة و الحياة.
    س2: متى كان يخرج الصبي (طه)من بيته ؟ وما الأدلة التي ساقها ليرجح بها ظنه ؟
    جـ : وقت خروج الصبي من بيته على أكبر ظنه فجراً أو عشاءً .
    - الأدلة التي ساقها على ذلك :- هواء ذلك اليوم كان بارداً - نوره كان هادئاً خفيفاً لطيفاً - لم يشعر الصبي من حوله حركة يقظة قوية .
    س3 : ما الذي كان يتذكَّره الصبي في طفولته ؟
        1 - أسوار القصب العالية التي لم يكن يستطيع أن يتخطاها .
        2 - الأرانب التي كانت تخرج من الدار وتتخطى السياج بسهولة يحسدها عليها
    س4 : متى كان الصبي يفضل الخروج من الدار ؟
    جـ : عندما تغرب الشمس ويتعشى الناس .
    س5 : ما الذي كان يشد انتباه الصبي عند خروجه من الدار ويجعله مستمتعاً ؟
    جـ : الذي كان يشد انتباه الصبي : صوت الشاعر الذي ينشد الناس في نغمة عذبة أخبار أبى زيد الهلالي وخليفة ودياب
    س6 : ما الذي كان يخشاه الصبي عند خروجه ليلاً لسماع الشاعر ؟
    جـ : نداء أخته له للنوم ، ثم حمله ووضع القطرة في عينيه .
    س7 : لماذا كان الصبي لا يشكو ولا يبكى مع أنه يتألم ؟
    جـ : لأنه كان يكره أن يكون كأخته الصغيرة بكّاء شكّاء (كثير البكاء والشكوى) .
    س8 : لماذا كان الصبي يخاف أن ينام مكشوف الوجه ؟
    جـ : خوفاً من أن يعبث به عفريت من العفاريت الكثيرة التي كانت تحيط بالبيت وتملأ أرجاءه ونواحيه .
    س9 : ما المخاوف التي كانت تحيط بالطفل ليلاً ؟
    جـ : كانت هذه المخاوف خيالات العفاريت التي يتخيلها أشخاصاً أمامه قد تؤذيه ، أو أصوات الديكة التي كانت في الغالب حقيقة أو بعضها التي كان يتخيلها عفاريت مشكلة بأشكال الديكة .
    س10 : ما السبيل الذي اتخذه الصبي للخلاص من مخاوفه التي تحيط به ليلاً؟
    جـ : السبيل أن يلتف في لحافه من الرأس إلى القدم دون أن يدع بينه وبين الهواء منفذاً أو ثغرة
    س11 : كيف كان الصبي يدرك بزوغ (ظهور) الفجر ؟
    جـ : عندما يسمع أصوات النساء يغنين (الله يا ليل الله....) ، وهن عائدات إلى بيوتهن وقد ملأن جرارهن بالمياه من القناة (الترعة) .
    س12: ما الذي يحدث عند استيقاظ الشيخ (والد الصبي) ؟
    جـ : تنتهي الضوضاء و يختفي الضجيج والصياح والغناء وتهدأ الحركة ، حتى يتوضأ الشيخ ويصلي ويقرأ وِرْده ويشرب قهوته ويمضي إلى عمله



    حقيقة القناة
    كان الصبي مطمأنا إلى أن الدنيا تنتهي عن يمينه بهذه القناة , التي لم يكن بينه وبينها إلا خطوات قليله.....ولم لا تنتهي الدنيا بالنسبة لصبي أعمي عندها وهو لا يعرف عنها شيء , فلم يكن يعرف أن عرض هذه القناة ضئيل بحيث يستطيع الشاب النشيط أن يقفز من إحدى حافتيها إلى الحافة الأخرى , كما لم يكن يعرف أن حياة الناس والنبات والحيوان مستمرة فيما بعد القناة كما هي قبلها ,ولم يكن يعرف أن الرجل يستطيع أن يعبرها دون أن يصل الماء إلى إبطيه (هو ما تحت ذراع الإنسان عند ملتقى الكتف) , وكذلك لم يمن يعرف أن الماء ينقطع عن هذه القناة من وقت آخر فتصبح مجرد حفرة مستطيلة يستطيع الصبيان أن ينزلوا إليها فيبحثوا عن الأسماك التي ماتت بسبب انقطاع الماء عنها .
    القناة في خيال الصبي
       لم يٌقدر الصبي كل ما سبق بل كان يعلم علم اليقين أنها عالم آخر غير ذلك العالم الذي يعيش فيه , فكان يظن أن عالم القناة عالم تغمره (تملؤه) كائنات غريبة , من هذه الكائنات التماسيح التي تزدري (تبتلع) الناس ازدرادا , والمسحورون الذين يعيشون تحت الماء ليلا ونهارا , فإذا أشرقت الشمس أو غربت خرجوا ليتنسمون الهواءوهم بذلك خطر على الأطفال وفتنة للنساء الرجال .
    الفتى وخاتم سليمان
       ولعل من هذه الكائنات العجيبة أيضا الأسماك الطوال العراض , والتي لا تظفر (تحصل وتجد) بطفل إلا وابتلعته على الفور , وقد يتاح لبعض هؤلاء الأطفال أن يجدوا في بطنها خاتم سليمان , ذلك الخاتم الذي إذا لبسه إنسان فإنه يُخرج له خادمين من الجن يقضيان له كل حوائجه ,هذا الخاتم كان ملك سيدنا سليمان وبه سخر الجن والرياح وما يشاء من قوى الطبيعة المختلفة
       لقد كان أحب شيء لهذا الطفل أن يهبط إلى هذه القناة فتبتلعه إحدى هذه الأسماك , فيجد في بطنها ذلك الخاتم , ولكنه كان يخشى من الأهوال التي قد تحدث له في الطريق لهذا الخاتم
       وبالفعل هو في حاجة شديدة لمثل ذلك الخاتم وخادميه , على الأقل لكي يعرف ما راء هذه القناة من عجائب وأشياء غريبة .
    مخاطر على شاطئ القناة من كل ناحية
       وهل كان يستطيع أن يبلو (يختبر) حقيقة القناة ؟ بالطبع لا فقد كانت القناة محفوفة (محاطة ) بالمخاطر عن يمينه وشماله ,
       فأما عن يمينه فقد كان هناك (العدويون) وهم قوم من الصعيد يعيشون في دار كبيرة يحرسها كلبان عظيمان , لا ينقطع نباحهما , وقد كثر حديث الناس عن هذين الكلبين , فلا ينجو منهما أحد من المارة إلا بعد عناء ومشقة .
       وأما عن شماله فقد كان هناك قاتل يدعى (سعيد الأعرابي) وامرأته (كوابس) , وها مشهوران بشرهما ومكرهما وحرصهما على سفك الدماء. وقد كانت امرأته تضع في إحدى فتحتي أنفها حلق كبير , كانت دائما ما تتردد على بيت صاحبنا فتقبله وتؤذيه بهذا الحق الكبير
       لذلك لم يكن يستطيع أن يقترب من القناة ليعرف حقيقتها . ورغم ذلك فقد كان يجد في دنياه الضيقة كثير من ألوان العبث والتسلية التي تملأ كل نهاره .
    ذاكرة الإنسان وأحداث الطفولة
       ويتعجب الكاتب كل العجب من ذاكرة الأطفال أو ذاكرة الإنسان عموما , وذلك أن الإنسان كلما حاول أن يتذكر بعض أحداث الطفولة فإنه يذكر بعضها واضحا جليا كأنه لم يمضي بينه وبين الحدث من الوقت شيء , وبعض الذكريات الأخرى تمحى كأنها لم تكن .
       فالصبي يذكر كل تلك الأحداث من سياج وقناة وسعيد وامرأته كوابس , ويذكر كذلك العدويين وكلبيهما , ولكنه لا يذكر أي شيء عن مصير كل ذلك , كأنه نام ليلة وأصبح لا يجد شيء من هذه الذكريات , ولكنه يجد أماكنها وقد أعيد تنظيمها من جديد , بيوت قائمة وشوارع منظمة تنحدر كلها من جسر القناة ممتدة امتدادا قصيرا من الشمال للجنوب , ويذكر كثيرا من الأشخاص الذين سكنوا هذه الأماكن من رجال ونساء وأطفال كانوا يعبثون في هذه الشوارع .
       ومن ذكرياته أيضا أنه كان يستطيع أن يتقد يمينا وشمال إلى القناة دون أن يخشى سعيد وامرأته أو العدويين وكلبيهما , ويذكر كذلك أنه كان يقضي ساعات من نهاره على هذه القناة يستمتع بما يسمع من نغمات (حسن) الشاعر وهو يرفع الماء بشادوفه ليروي الأرض  على الشاطئ الأخر من القناة .
    الصبي يعبر القناة
       وكذلك يذكر أنه عبر القناة أكثر من مرة على كتف أحد إخوته , دون أن يحتاج إلى خاتم سليمان , وكان يذهب كثيرا إلى ما وراء القناة ليأكل من شجر التوت المزروع هناك , وكذلك فإنه يذكر أنه تقدم عن يمينه أكثر من مرة إلى حيث حديقة (المعلم) فأكل من تفاحها اللذيذ , وقطف له منها ريحان ونعناع . ولكنه عاجز كل العجز أن يتذكر كيف تحول كل ذلك وأصبح على ما هو عليه الآن .

    س1 : كيف تخيّل الصبي صورة القناة (الترعة) في طفولته ؟
    جـ : هي - في خياله الطفولي- عالم آخر تملؤه كائنات غريبة منها التماسيح التي تبتلع الناس ، والمسحورون الذين سحرهم الجن ، والأسماك الضخمة التي تبتلع الأطفال .
    س2 : كيف أدرك الصبي حقيقة القناة فيما بعد ؟
    جـ : وجد حقيقتها أنها صغيرة تستطيع أن تقفز من إحدى حافتيها إلى الأخرى ، وأنها مجرد حفرة مستطيلة يلعب فيها الصبيان ويبحثون في أرضها الرخوة عن صغار السمك الذي مات لانقطاع الماء عنها .
    س3 : لماذا كان الصبي يتمنى أن ينزل القناة ؟
    جـ : لتزدرده (تبتلعه) سمكة ضخمة ، فيجد في بطنها خاتم سليمان الذي سيحقق له كل ما كان يتمناه - كما كان يتمنى رؤية ما وراءها من الأعاجيب .
    س4 : ما المخاطر التي كان يخشاها الصبي من شاطئ القناة ؟
    جـ : كانت المخاطر تحيط بالقناة فعن يمينها جماعة (العدويين) وكلابهم وشرورهم . وعن شمالها (سعيد الأعرابي) المعروف بشره ومكره ، وحرصه على سفك الدماء ، وامرأته (كوابس) .
    س5 : وصف الصبي حياته بأنها كانت ضيقة قصيرة محدودة . علل .
    جـ : لأن ذاكرة الأطفال غريبة تتمثل بعض الأحداث واضحة ، كأن لم يمضِ بينها وبينه من الوقت شيء . ثم يُمَحى منها بعضها الآخر كأن لم يكن بينها وبينه عهد .
    - وجه الغرابة : أنه حين يستعرضها الإنسان تمثل له بعض الأحداث التي مرت به واضحة كأن لم يمض بينها وبينه وقت طويل ، ثم يمحى منها البعض الآخر كأن لم يكن بينها وبينه عهد .



    مكانة الصبي بين أسرته
       لقد كان الصبي سابع أبناء الأب الثلاثة عشر , وخامس أشقته الأحد عشر , وكان يشعر بين هذا العدد الضخم من الأخوة بأن له مكانة خاصة ومعاملة مميزة يمتاز بها بين كل إخوته وأخواته .
       فهل كان كل ذلك يرضيه ؟ أم أنه كان يؤذيه ؟ الحق أنه لا يتبين ذلك إلا في غموض إبهام , والحق أنه لا يستطيع الآن أن يحكم على ذلك حكما صادقا , كان يحس من أمه رحمة ورأفة وكان يجد من أبيه لينا ورفقا ، وكان يشعر من إخوته بشيء من الاحتياط في تحدثهم إليه ومعاملتهم له.
    ولكنه كان يجد إلي جانب هذه الرحمة والرأفة من جانب أمه شيئا من الإهمال أحيانا ومن الغلظة أحيانا أخري وكان يجد إلي جانب هذا اللين والرفق من أبيه شيئا من الإهمال أيضا ، والازورار من وقت إلي وقت. وكان احتياط إخوته وأخواته يؤذيه لأنه كان يجد فيه شيئا من الإشفاق مشوبا (مختلطا) بشيء من الازدراء (الاحتقار)                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                     
    الصبي يكتشف سبب هذه المعاملة
       لم يمر وقت طويل حتى تبين (علم ) سبب هذه المعاملة , فقد أحس أن لغيره من الناس فضل كبير عليه , فإخوته وسائر الناس غيره يستطيعون ما لا يستطيع هو ,ويقومون بما لا يستطيع أن يقوم به هو ,وأحس أن أمه تأذن لإخوته وأخواته بما لا تأذن به له (تحظر عليه) , وكان ذلك بطبيعة الحال يغضبه , وسرعان ما تحول هذا الغضب إلى حزن صامت عميق فقد سمع أخوته يصفون ما لا يعلم هو عنه شيء , فعلم أنهم يرون ما لا ير

    س1 : ما ترتيب الصبي بين أبناء أبيه عامة وإخوته خاصة ؟ أو كم كان عدد أفراد أسرته ؟
    جـ : كان سابع ثلاثة عشر من أبناء أبيه ، وخامس أحد عشر من أشقته (من الأب و الأم) .. ملحوظة : نستنتج من ذلك أن الأخوة من الأب فقط (من أم غير أمه) اثنان .
    س2 : ما المكانة التي كان الصبي يحظى بها بين أفراد أسرته ؟
    كان الصبي يحظى بمكانة خاصة على الرغم من ضخامة عدد أفراد الأسرة .
    س3 : ما الذي كان يجده الصبي من كل أمه وأبيه وإخوته وأخواته في تعاملهم معه ؟
    جـ : كان يجد من أمه رحمة ورأفة ، وأحياناً منها الإهمال والغلظة .
    - كان يجد من أبيه لينًا ورفقًا ، ثم يجد الإهمال أيضًا ، والازْوِرار (الابتعاد) من وقت إلى وقت.
    - كان يجد من إخوته وأخواته الاحتياط في معاملته مما كان يسبب له ضيقاً .
    س4 : لماذا كان احتياط إخوته وأخواته يؤذيه ؟
    جـ : لأنه كان يجد فيه شيئًا من الإشفاق مشوبًا بشيء من الازدراء (السخرية).
    س5: لماذا كانت الأم تحظر (تمنع) على الطفل أشياء تأذن فيها لإخوته ؟
    جـ : كانت تفعل ذلك خوفاً عليه ؛ لأنه كان لا يقدر أن يقوم بما كانوا يقومون به وذلك لكف بصره .




    الصبي يفرح باللقب الجديد (الشيخ)
    أتم الصبي حفظ القرآن وهو لم يبلغ التاسعة من عمرة , وبذلك حصل على لقب ( الشيخ ) وهو لقب يحصل عليه كل من أتم حفظ القرآن بغض النظر عن سنه وهيئته . وقد فرح الجميع بهذا اللقب العزيز , فتجد أن كل الناس تدعوه بالشيخ , أبوه وأمه وسيدنا ( شيخ الكتاب ) .
    فأما سيدنا فتعود أن يدعوه بالشيخ عندما يرضى عنه أو حينما يريده أن يرضى عن شيء ما أو أمام أبويه , وفيما عدا ذلك كان يناديه باسمه دون لقب , بل كان يدعوه ب (الواد) .
    وبالنسبة لأمه وأبيه فكانا يدعوانه بالشيخ تفاخرا وتكبرا بهذا اللقب العظيم , ولم يكن الهدف من التحبب إلى الصبي أو التودد إليه .
    أما الصبي نفسه فقد أعجب كثيرا بهذا اللقب في أول الأمر , ولكنه كان ينتظر شيء آخر من ألوان المكافأة والتمجيد والتعظيم , فقد كان ينتظر أن يكون شيخا حقا , ولا يكون ذلك إلا بارتداء العمة والجبة والقفطان .
    وكان من العسير على أسرته إقناعه بأنه أصغر من أن يلبس العمة ويدخل في الجبة والقفطان , ولكن كيف يمكن إقناعه بذلك ؟ فقد كان أمرا عسرا للغاية . وكان الصبي الصغير قصيرا نحيفا شاحبا ( متغير اللون ) زري الهيئة (حقير الشكل والهيئة) , ليس له من وقار الشيوخ وحسن طالعهم حظ لا كثير ولا قليل . ولم يكن خليقا (جديرا) أن يُدعى بالشيخ , وإنما كان جديرا بأن يذهب إلى الكتاب كما كان يذهب من قبل؛ مُهْمَل الهيئة , على رأسه طاقية تنظف مرة واحدة كل أسبوع .
    اليوم المشئوم يوم نسيانه القرآن
    مضى على ذلك اللقب شهرا بعد شهر , والصبي يذهب إلى الكتاب ولا يفعل أي شيء , فيذهب ويعود بلا عمل , وسيدنا مطمئن إلى أنه حفظ القرآن ولن ينساه . وجاء يوم مشئوم (شر) على الصبي فقد ذاق لأول مرة في حياته طعم الخزي (العار) والفشل والضعة (الهوان والمذلة) فقد كره حياته كلها بسبب ذلك اليوم .
    عاد الصبي من الكتاب عصرا راضيا مطمئنا , ولم يكد يدخل الباب حتى دعاه أبوه بلقبه (الشيخ) فأقبل عليه الأب ومعه صديقان له, وهو (مبتهجا ) مسرور, وأجلسه في رفق ثم بدأ يسأله أسئلة عادية , والطفل يجيب , حتى طلب منه أن يقرأ (سورة الشعراء) , فوقع عليه ذلك الطلب وقع الصاعقة التي أحرقته , ولكنه فكر وتحفز ( تهيأ واستعد ) ثم استعاذ بالله من الشيطان الرجيم  , وسمى الله الرحمن الرحيم , وقرأ (طسم) ثم بدأ يكررها ويكررها ولا يتذكر ما بعدها , كل ما يتذكره أنها إحدى ثلاث سور في القرآن تبدأ ب(طسم) ففتح عليه أبوه بما بعدها ولكنه لم يستطع أن يكمل السورة .
    فقال له أبوه إذا فاقرأ (سورة النمل) فتذكر أن أول (سورة النمل) كأول (سورة الشعراء) (طس) ولكنه أيضا لم يستطع أن يتقدم خطوة واحدة للأمام , وأخذ يردد هذا اللفظ , ففتح عليه أبوه بما بعده فلم يستطع أن يكمل , فقال له أقرأ سورة القصص , فتذكر أنها السورة الثالثة التي تبدأ ب(طسم) وأخذ يردد دون أن يقدر على إتمام ما بعدها .
    ولم يفتح عليه أبوه هذه المرة بما بعدها , فقد اكتفى بأن يقول له في هدوء " قم فقد كنت أحسب أنك حفظت القرآن " فقام خجلا يتصبب عرقا, وراح الرجلان يلتمسان له الأعذار بأنه مازال صغير ويشعر بالخجل . ولكن الصبي مضى لا يدري من يلوم , هل يلوم نفسه على نسيانه القرآن ؟ أم يلوم سيدنا الذي أهمله فلم يراجع معه ما حفظ ؟ أم يلوم أباه لأنه امتحنه ؟

    س1 : أصبح الصبي شيخاً رغم صغر سنه . كيف ذلك ؟
    جـ : لأنه حفظ القرآن الكريم ومَن حفظه فهو شيخ مهما يكن سنه .
    س2 : ما أثر رضا سيدنا [محفظ القرآن] على الصبي ؟
    جـ : كان إذا رضي عليه يناديه (يا شيخ طه) ، فيما عدا ذلك فقد كان يدعوه باسْمه ، وربما دعاه (بالواد).
    س3 : ما الذي كان ينتظره الصبي من كلمة (شيخ) ؟
    جـ : في أول الأمر كان يعجب بلفظ (شيخ) إلا أنه كان ينتظر شيئاً آخر من مظاهر المكافأة والتشجيع أن يكون شيخاً حقًّاً فيتخذ العِمة والجُبَّة والقفطان زياً رسميّاً له .
    س4 : لِمَ ذكر الصبي أنه لم يكن خليقاً (جديراً ، مستحقاً) بلقب الشيخ ؟
    جـ : لأنه كان يذهب مهمل الهيئة إلى الكُتَّاب ، على رأسه طاقيته التي تنظف يوماً في الأسبوع .
    س5 : ما اليوم المشئوم في حياة الصبي بعد حفظه للقرآن الكريم ؟
    جـ : يوم نسيانه ما حفظ من القرآن وعندما سُئِل عن سورة الشعراء أو النمل أو القصص فلم يقرأ أمام أبيه والضيفين إلا الاستعاذة والبسملة و"طسم" . (أول سورتي الشعراء - القصص) أو "طس" (أول النمل) .
    س6 : صف حال الصبي بعد فشله في امتحان أبيه له .
    جـ : قام خجلاً يتصبب عرقاً ، لا يدرى أيلوم نفسه لأنه نسى القرآن ؟ أم يلوم سيدنا لأنه أهمله ؟ أم يلوم أباه لأنه امتحنه



    فرحة سيدنا بالصبي لأنه استعاد حفظ القرآن
    أقبل سيدنا إلى الكتاب من الغد مسرورا فرحا ,فدعا الصبي بالشيخ وقال له أنت اليوم تستحق لقب الشيخ, فقد رفعت رأسي وبيضت وجهي وشرفت لحيتي أمس, واضطر أبوك لأن يعطيني الجُبَّة, ولقد كنت تتلو القرآن كسلاسل الذهب .
    وكنتُ قلقا عليك مخافة أن تزل(تخطأ) أو تنحرف وكنتُ أحصنك بالحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم , حتى انتهي الامتحان , وأنا أعفيك اليوم من القراءة .
    عهد بين سيدنا والصبي
    ثم طلب سيدنا الصبي أن يأخذ عليه عهدا يحافظ عليه وأن يكون وفيا معه , فلا ينقض هذا العهد أبدا , فقال الصبي لك عليَّ أن أكون وفيا ولا أنقض هذا العهد . فأخذ سيدنا بيد الصبي , وهنا أحس الصبي بشيء غريب لم يحس مثله قط , فقد كان عريضا يترجرج (يهتز) مليء بالشعر وتغور (تدخل بسهوله ) فيه الأصابع , وما كان ذلك إلا أن سيدنا وضع يد الصبي على لحيته وقال له هذه لحيتي أسلمك إياها وأريدك ألا تهينها , فقل معي "والله العظيم " ثلاثا , وحق القرآن المجيد لا أهينها , فأقسم الصبي كما أراد سيدنا .
    فما فرغ من القسم حتى سأله سيدنا كم جزأ في القرآن ؟ فقال الصبي : ثلاثون جزأ , فقال سيدنا وكم يوما نشتغل في الكتاب ؟ قال الصبي خمسة أيام ,فقال سيدنا فإذا أردت أن تختم القرآن كل أسبوع فكم جزأ تقرأ كل يوم ؟ فكر الصبي قليلا ثم قال الصبي ستة أجزاء.
    قال سيدنا إذا فتقسم لتتلون على العريف ستة أجزاء من القرآن كل يوم من أيام الأسبوع , على أن تكون هذه التلاوة أول ما تأتي من إلى الكتاب  و فإذا انتهيت منها فلا جناح عليك (لا ذنب ولا إثم) تلعب وتلهو كما تشاء  ,على ألا تصرف (تشغل ) بقية الصبيان عن أعمالهم ,فتعهد
    عهد آخر على العريف
    ثم دعا سيدنا العريف و وأخذ عليه العهد ليسمعن من الصبي كل يوم ستة أجزاء من القرآن , وأودعه شرفه وكرامة لحيته ومكانة (منزلة) الكتاب ,فقبل العريف الوديعة . وانتهى هذا المنظر وصبيان الكتاب ينظرون ويتعجبون مما يحدث أمامهم

    س1 : لماذا أقبل سيدنا محفِّظ القرآن من الغد إلى الكتاب مسروراً مبتهجاً ؟
    جـ : لأن الصبي قد رفع رأسه أمام أبيه وهو يمتحنه في الحفظ .
    س2 : ما الذي كان يقصده سيدنا بقوله للصبي :  (ولقد كنت تتلو القرآن بالأمس كسلاسل الذهب) ؟
    جـ : يقصد بأنه أجاد الحفظ والتلاوة (ورتل القرآن ترتيلاً) .
    س3 : ما العهد الذي أخذه سيدنا على (الصبي) و (العريف) ؟
    جـ : العهد الذي أخذه سيدنا على (الصبي) : هو أن يتلو كل يوم ستة أجزاء من القرآن الكريم على العريف ، في كل يوم من أيام العمل الخمسة ، ولتكوننَّ هذه التلاوة أول ما يأتي به حين يصل إلى الكتاب .
    - العهد الذي أخذه سيدنا على (العريف) : أن يُسَمِّع للصبي في كل يوم ستة أجزاء من القرآن الكريم .
    س4 : ممَ كان صبيان الكتاب يعجبون ؟
    جـ : كان الصبيان يعجبون من منظر الشيخ وهو يأخذ العهد على الصبي والعريف حيث وضع لحيته بين يدي الصبي وطلب منه أن يقسم على أن يتلو على العريف كل يوم ستة أجزاء من الأيام الخمسة التي يعمل فيها الكُتَّاب .



    فقيه جديد يحفظ الصبي القرآن
    انقطع الصبي عن الكتاب فلم يعد يذهب إليه كما انقطع سيدنا عن البيت فلم يعد يأتي كما كان يفعل , فالتمس (طلب) أبو الصبي فقيها جديدا ليحفظه القرآن , فكان الصبي يتلو القرآن مع الفقيه الجديد ساعة أو ساعتين ثم يظل الصبي حرا يلعب ويلهو بقية اليوم كما يشاء . حتى إذا جاء العصر حضر أصدقاء الصبي ورفاقه بعدما انصرفوا من الكتاب, فيقصون عليه ما كان يحدث من سيدنا ومن عريف الكتاب, وهو يلهو (يعلب) بذلك الحديث, ويظل يعبث بهم وبالكتاب وبسيدنا وبالعريف
    الصبي يظهر ما كان يكتم من عيوب سيدنا والعريف
    وظن الصبي أن الأمر قد انبت (انتهي وانقطع) بينه وبين سيدنا وأنه لن يعود إلى الكتاب مرة أخرى, فأطلق لسانه في الرجلين بطريقة شنيعة (فظيعة) وأخذ يظهر العيوب التي كان يكتمها عن العريف وسيدنا .
    ولعل الذي دفعه إلى ذلك أنه ظن أن بينه ويبن السفر إلى القاهرة شهرا أو بعض شهر(أقل من شهر) لأن أخاه سيعود من القاهرة بعد أيام ليقضي أجازته وسيأخذه معه إلى الأزهر الشريف
    سعادة لم تتم
    كانت السعادة تملأ قلبه , فقد رأى في نفسه تفوقا على رفاقه وأترابه (أقرانه), فهو لا يذهب إلى الكتاب كما يذهبون هم , كما أنه يسعى إليه الفقيه في البيت سعيا, وأكثر من ذلك أنه سيسافر إلى القاهرة حيث يتعلم في الأزهر ويكون قريبا من أولياء الله الصالحين من أمثال (سيدنا الحسين والسيدة زينب وغيرهما الكثير)  فقد كان ينظر إلى القاهرة على أنها تمثل الأزهر وأولياء الله الصالحين .
    ولكن لم تدم السعادة كما كان يتوقع الصبي, فسيدنا لم يطق صبرا على هذه المقاطعة ولم يحتمل انتصار الفقيه الجديد عليه (السيد عبد الجواد) لذلك سعى إلى أبي الصبي بكل السبل ويتوسل بفلان وعلان حتى لانت قناة الشيخ (رضي والد الصبي عن سيدنا)
    الصبي يعود للكتاب للمرة الثالثة ليستعيد حفظ القرآن
    وأمر الشيخ (والد الصبي) ابنه بأن يعود إلى الكتاب مرة أخرى, ولكنه عاد إليه كارها مجبرا , لأنه يعلم ما سيجده عند سيدنا والعريف من تعنيف , فقد كان الصبيان ينقلون للعريف وسيدنا كل ما يقوله الصبي عنهما , فقد كانت أوقات الغداء طوال هذا الأسبوع شديدة صعبة على الصبي, فقد كان العريف يعيد عليه ما كان يطلق به لسانه من ألفاظ, وكان سيدنا يلومه بشدة على أقواله الشنيعة فيهما .
    دروس تعلمها الصبي من عودته للكتاب
    تعلم الصبي كثيرا من الدروس في هذا الأسبوع فقد تعلم الاحتياط في الألفاظ, وتعلم أنه من الخطل (قلة العقل وفساده) والحمق(التهور) أن يطمئن الإنسان لوعود الرجال, فالشيخ قد أقسم بأغلظ الأيمان ألا يعود الصبي للكتاب أبدا, وها هو قد عاد, وكذلك سيدنا فقد كان يرسل الطلاق والأيمان (القسم) وهو يعلم أنه كاذب, فلم يعد هناك فرق بينهما – الشيخ وسيدنا –
    وكذلك الصبيان الذين يشتمون العريف وسيدنا حتى يسب ويشتم معهم ثم ينقلون حديثه لسيدنا والعريف ليتقربوا منهما, وها هي أمه تضحك منه عندما اشتكى لها سيدنا ما قاله الصبي, وأخوته يشمتون به ويعيدون عليه مقالة سيدنا ليغيظوه ويثيرون (يحركون) سخطه (غضبه)
    ولكنه كان يتحمل كل ذلك , في صبر وجلد (تحمل) , فقد كان يعلم أنه سرعان ما يغادر تلك القرية إلى القاهرة وينسى كل ذلك

    س1 : ما سبب انقطاع الصبي عن الكُتَّاب ؟ وما نتيجة ذلك ؟
    جـ : لأن فقيهاً آخر يدعى الشيخ عبد الجواد كان يأتي إلى الصبي كل يوم في بيته ليقرأ عليه الصبي القرآن وليقرأ هو السورة يومياً .   نتيجة ذلك : أصبح الصبي حرًّا يعبث ويلعب في البيت متى انصرف عنه الفقيه الجديد.
    س2 : ما الذي تخيَّله الصبي بعدما تغير الشيخ المحفِّظ له ؟
    جـ : خُيِّل إليه أن الأمر قد انقطع بينه وبين الكُتَّاب ومن فيه وأنه أصبح في حِلًّ من عهده مع سيدنا والعريف .
    س3 : صف سلوك الصبي مع رفاقه بعد انقطاعه عن الكتاب .
    جـ : كان يلهو ويعبث بالكُتَّاب وبسيدنا وبالعريف إذ إنه كان يظهر من عيوبهما وسيئاتهما ما كان يخفيه قبل ذلك وكان يطلق لسانه فيهما.
    س4 : ما سبب التغيُّر عند الصبي في سلوكه ؟
    جـ : لأنه علم بأنه سوف يسافر إلى القاهرة بعد شهر واحد مع أخيه الأزهري حيث يلتحق بالأزهر ويذهب إلى زيارة الأولياء
    س5 : ما الذي تمثله القاهرة بالنسبة للصبي ؟
    جـ : كانت القاهرة عنده مستقر الأزهر ومشاهد الأولياء والصالحين .
    س6 : (السعادة لا تدوم) . . وضح ذلك من خلال أحداث هذا الفصل .
    جـ : بعدما اطمأن الصبي بأنه لن يعود إلى الكُتَّاب وسيدنا والعرِّيف وأنه سيسافر إلى القاهرة حيث الالتحاق بالأزهر فوجئ بأنه والده قد أعاده إلى الكتاب فلاقى فيه ما لم يكن يتوقعه من سيدنا وذلك بأن الرفاق قد نقلوا إليه كل ما كان يحدث منه ويقوله عن سيدنا والعريف .
    س7 : ما الذي فعله سيدنا مع الصبي بعد عودته إلى الكتاب ؟
    جـ : لقد عاد الصبي إلى الكتاب كارهاً مقدراً ما سيلقاه من سيدنا وهو يقرئه القرآن للمرة الثالثة ، فكان سيدنا يحرمه من الراحة في أوقات الغداء طوال الأسبوع
    س8 : ما الذي تعلمه خلال هذا الأسبوع من عودته إلى الكتاب ؟
    جـ : لقد تعلم الصبي الاحتياط في اللفظ وتعلم أيضاً أن من الفساد والسفه الاطمئنان إلى وعيد الرجال وما يأخذون أنفسهم به من عهد.
    س9 : وضح المقصود من قول الكاتب .  (إن من الخطل والحمق الاطمئنان إلى وعيد الرجال وما يأخذون به أنفسهم من عهد) .
    جـ : المقصود من هذا الكلام :
    1 - أن الشيخ قد أقسم ألا يعود الصبي إلى الكتاب وها هو قد عاد .
    2 - أن سيدنا يرسل الطلاق والإيمان إرسالاً وهو يعلم أنه كاذب .
    3 - الصبيان يتحدثون فيشتمون له الفقيه والعريف ويغرونه بشتمهما ثم يتقربون بنقل الكلام لسيدنا والعريف .
    4 - أمه تضحك منه وتحرض سيدنا عليه .
    س10 : لم كان الصبي يحتمل هذا كله في صبر وجلد ؟
    جـ : لأنه يدرك ويعلم أنه ليس بينه وبين فراق هذه البيئة كلها إلا شهر أو بعض شهر .




    سنة أخرى في القرية :
    وها هو الشهر قد مضى وعاد أخوه الأزهري , ولكنه لم يأخذه معه كما كان يمني الصبي نفسه , فقد كان صغيرا ومن الصعب إرساله إلى القاهرة , فلم يرغب أخوه في أن يحتمله , فأشار عليهم بأن يبقى سنة أخرى في القرية , يستعد فيها للأزهر وللدراسة فيه , وبقي الصبي دون أن يحفل (يهتم) أحد برضاه أو غضبه .
    الاستعداد للأزهر بحفظ الألفية ..
    ورغم ذلك فقد تغير نمط حياته بعض الشيء فقد أشار عليه أخوه بأن يقضي السنة في الاستعداد للدراسة بالأزهر فأعطاه كتابين ليحفظ الأول ويقرأ ما يشاء من الثاني فكان الأول هو الألفية (ألفية بن مالك في النحو) وهو ما لا بد عليه من حفظه , أما الثاني فكان (مجموع المتون) وطلب منه قراءته واستظهار (حفظ) ما استطاع منه .
    وقد حفظ الصبي الألفية , كما حفظ أشياء غريبة من الكتاب الأخر لم يفهم منها شيء , ومما حفظه من ذلك الكتاب (الجوهرة – والخريدة – السراجية – الرحبية – ولامية الأفعال) هذا ما حفظه الصبي من الكتاب الثاني(مجموع المتون) دون أن يفهم من هذه الأشياء شيء ولا حتى أسمائها .
    فما الذي دفعه لحفظها ؟ , لقد كان بقدر أن ذلك هو العلم , الذي يجب أن يستعد به للأزهر , كما أن أخاه حفظها وفهمها , فأصبح عالما له مكانة عالية بين جميع الناس , الكل ينتظره ويتحدث بمقدمه إلى القرية ليقضي أجازته .
    ولما جاء إلى القرية أقبل عليه الناس فرحين مبتهجين (مسرورين) , وها هو الشيخ يشرب كلامه شربا ويقبله دون مناقشة , بل يعيده على الناس مفتخرا ومتباهيا , حتى أهل القرية كانوا يتوسلون إليه ليقرأ لهم درسا في التوحيد أو الفقه , وكذلك الشيخ كان يتوسل غليه بكل ما استطاع وما لم يستطع لكي يلقي عليهم خطبة الجمعة .
    الأخ الأزهري واحتفال مولد النبي
    كان ذلك اليوم يوم مشهود , فقد لقي الأزهري من الحفاوة والتكريم من أهل القرية ما لم ينله أي من شبان القرية , فقد كان الناس يتحدثون عن ذلك اليوم قبل مقدمه(مولد النبي) بأيام , فقد اشترى أهل القرية للفتى الأزهري قفطانا جديدا ووجبة جديدة , وطربوشا جديدا ومركوبا جديدا , ولما أقبل ذلك اليوم وانتصف النهار اتجهت الأسرة إلى طعامهم فلم يأكلوا إلا قليلا .
    ولبس الفتى الأزهري ثيابه الجديدة , وعمامة خضراء وألقى على كتفه شالا من الكشمير , وظلت أمه تدعوا له وتتلوا التعاويذ التي تحفظه , وظل الأب يدخ ويخرج فرحا بابنه وما يلقاه من أهل القرية .
    وما أن خرج الفتى حتى حلمه جماعة من الناس ووضعوه على فرس كان ينتظره خارج البيت , وطافوا به في القرية , وحوله الناس من كل مكان أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله , والبنادق طلق أعيرة النار في الهواء , والناس تتغنى بمدح النبي .
    كل ذلك لأن أهل القرية اتخذوا من هذا التي الأزهري خليفة , وطافوا به في المدينة والقرى المجاورة , وإنما حصل على هذه المكانة لأنه أزهري قرأ العلم وحفظ الألفية والخريدة والجوهرة .

    س1 : هل تحقق حلم الصبي في أن يذهب مع أخيه للقاهرة ؟ ولماذا ؟
    جـ : لا ، لم يتحقق حلمه وذلك لأنه كان صغيراً ولم يكن من اليسير إرساله إلى القاهرة ولم يكن أخوه يحب أن يحتمله .
    س2 : بم أشار أخوه الأزهري عليه أن يفعله خلال السنة التي تأجل فيها سفره للأزهر ؟
    جـ : أن يبقى سنة يقضيها في الاستعداد للأزهر وقد دفع (أعطى) إليه كتابين يحفظ أحدهما وهو ألفية ابن مالك ويتصفح كتاب مجموع المتون .
    س3 : طلب الأخ الأزهري من الصبي حفظ الألفية وحفظ بعض الفصول من كتاب (مجموع المتون) ؟ فما هذه الفصول ؟
    جـ : الفصول هي (الجوهرة - الخريدة - الراجية - الرحبية - لامية الأفعال) .
    س4 : ما صدى مسميات هذه الفصول على نفس الصبي ؟
    جـ : كانت هذه المسميات تقع من نفسه مواقع زهو وإعجاب وذلك لأنه يقرر أنها تدل على العلم ، وهو يعلم أن أخاه قد حفظها وفهمها فأصبح عالماً وظفر بهذه المكانة الممتازة في نفس أبويه وإخوته وأهل القرية جميعاً .
    س5 : ما مظاهر فرحة أهل القرية بعودة الأخ الأزهر إليهم ؟
    جـ : كانوا يتحدثون عن عودته قبلها بشهر ، حتى إذا جاء أقبلوا إليه فرحين مبتهجين متوسلين إليه أن يقرأ لهم درساً في التوحيد أو الفقه وقد اشتروا له جبه جديدة وقفطاناً وطربوشاً ومركوباً وطافوا به البلدة في موكب عظيم .
    س6 : ما مظاهر تعظيم الأب لابنه الأزهري ؟
    جـ : كان يتوسل إليه مُلِحاً مستعطفاً بإلقاء خطبة الجمعة على الناس باذلاً ما استطاع وما لم يستطع من الأماني .
    س7 : لِمَ كان الأزهري يلقى كل هذا الإجلال والحفاوة من أسرته وأهل القرية جميعاً ؟
    جـ : لأنه أزهري قد قرأ العلم وحفظ الألفية وكتاب (مجموع المتون) .



    اختلاف منزلة العلماء في القرية والمدينة والعاصمة
    للعلم في القرى ومدن الأقاليم جلال(عظمة) ومكانة عالية لا مثيل لها في العاصمة , وذلك أن العلم مثله كمثل بقية السلع , يخضع لقانون العرض والطلب , وهذا القانون ينص على أنه كلما زادت السلعة وكثرت كلما قل ثمنها , وكلما كانت شحيحة وقليلة كلما غلى ثمنها وزاد .
    وهذا ينطبق على العلم فالعلماء في القاهرة كثيرون لدرجة أن الناس هناك لم يعودوا يحفلون بهم ولا يكاد يسمع لهم أحد , فهم يكثرون القول وفنونه فلا يستمع لهم إلا تلاميذهم .
    أما في الريف والأقاليم فتجد أن العلماء هناك قليلون جدا ولذلك ,يتمتعون بقدر كبير من الجلال والعظمة والمهابة , فإذا قالوا استمع الجميع لقولهم , ويتأثر الناس بأحاديثهم , والصبي متأثر بنفسية الريف ولذلك كان يعظم العلماء ويعلي من شأنهم كما يفعل أهله , فقد كان يظن بأن هؤلاء العلماء فـُطِروا(خُلِقوا) من طينة غير التي فطر منا بقية الناس . ولذلك هم أفضل من بقية الناس جميعا .
    إعجاب الناس أمام علماء الأقاليم
    وقد وجد الصبي في علماء القرية من الإعجاب والإجلال ما يدفعه إلى الإعجاب والدهشة من قولهم , وقد حاول أن يجد مثل ذلك الإعجاب والإجلال بين علماء القاهرة وعظماء مشايخها فلم يوفق في ذلك .
    علماء المدينة
    لقد انقسم إعجاب الناس في مدينة الصبي على ثلاث أو أربعة علماء , فاز هؤلاء العلماء بإعجاب ومودة الناس واحترامهم وهم....
    الأول : كاتب المحكمة الشرعية
    فكان قصيرا ضخما غليظ الصوت جهوري(عال ومرتفع الصوت) يمتلأ شدقه (جانب الفم) بالألفاظ حينما يتكلم , فتخرج هذه الألفاظ والمعاني ضخمة غليظة كصاحبها .
    وكان هذا الشيخ من الذين لم يوفقوا في الأزهر , فقد قضى فيه ما قضى من سنين فلم يفلح في الحصول على العالمية (المؤهل العالي)ولم يفلح في القضاء , فقنع بمنصب كاتب المحكمة الشرعية .
    وكان حنفي المذهب ,ولم يكن في المدينة من أتباع أبي حنيفة كثيرون مما كان يغيظه ويدفعه لإعلاء مذهب أبي حنيفة في كل مجلس , والحط من مذهب الشافعي ومالك , فما كان من الناس إلا أن يعفوا عليه ويضحكوا منه .
    الثاني : إماما المسجد
    كان شافعي المذهب وإمام السجد وصاحب الخطبة والصلاة , وكان معروفا بين الناس بالتقى والصلاح والورع . ويعظمه الناس إلى حد يشبه التقديس , فيتبركون به ويلتمسون لديه شفاء مرضاهم , وقضاء حوائجهم , حتى أنه كاد يرى في نفسه أنه ولى من أولياء الله الصالحين .
    وقد ظل أهل المدينة يذكرونه بالخير والصلاح حتى بعد موته و وكان كثير منهم يتحدثون بأنه حينما نزل قبره قال بصوت سمعه المشيعون ( اللهم اجعله منزلا مباركا ) , وكان كثيرا منهم يتحدث عما رآه له في المنام من نعيم وجزاء عظيم .
    الثالث : الشيخ المالكي
    عالم مالكي المذهب , لم ينقطع للعلم , فقد كان تاجرا ومزارعا , وكان متواضعا يكتفي ببعض الدروس عن الدين وبخاصة علم الحديث كلما سمح له وقته بذلك , ولم يكن يحفل (يهتم) به إلا فئة (جماعة) قليلة من أهل المدينة .
    الرابع : الفتى الأزهري (أخو الصبي )
    كان قاضيا ممتازا , وقد أسندت الدولة له قضاء أحد الأقاليم , وكانت هناك منافسة شديدة بين الفتى الأزهري والشيخ (كاتب المحكمة) , فقد كان الناس على عادتهم أن ينتخبوا خليفة لهم كل سنة , فغاظه أن ينتخب الناس ذلك الفتى خليفة دونه , ولما تحدث الناس أن الفتى الأزهري سيخطب الجمعة في المسجد لم يقل شيئا بل انتظر حتى جاء يوم الجمعة.
    ولما أقبل الفتى ليصعد المنبر أسرع كاتب المحكمة إلى إمام المسجد وقال بصوت مسموع , إن ذلك الشاب حديث السن ولا ينبغي أن يخطب الجمعة في مسجد فيه الشيوخ وأصحاب الأسنان ( كبار السن) وهدد الإمام بأنه لو سمح لذلك الشاب بالخطبة فسوف ينصرف , وأسرع ينادي في الناس أن من أراد أن تصح صلاته ولا تبطل فليتبعه .
    اضطرب الناس بسبب تلك المقولة وأسرع إماما المسجد وصعد هو المنبر وألقى الخطبة وصلى بالناس حتى لا تحدث فتنة , وبذلك استطاع كاتب المحكمة أن يمنع الشاب الأزهري من الخطبة تلك السنة .
    وبذلك ضيع ذلك الكاتب على الشاب الأزهري , فرصة كان والده ينتظرها على أحر من الجمر , كما ضاع على الفتى جهد كبير بذله قبل ذلك بأيام في إعداد وحفظ الخطبة , وقد كان ألقاها على والده أكثر من مرة ليطمأن أنه لن يخطئ .
    وها هي أمه تخاف عليه من الحسد , فما كاد يخرج لكي يلقى الخطبة , إلا وأسرعت ألقت جمرا في إناء ووضعت عليه من أنواع البخور ثم , قامت إلى كل غرفة تبخرها وتهمهم بكلمات , لتحفظ ابنها من الحسد , واستمرت كذلك حتى عاد و فقامت تبخره تهمهم بهذه الكلمات
    ودخل الشيخ وهو غاضب بشدة يلعن ذلك الرجل الذي أكل الحقد والحسد قلبه فمنع ابنه من إلقاء خطبة الجمعة .
    العلماء غير الرسميين
    لقد كان هناك كثيرا من العلماء المنبثين ( المنتشرين ) في المدينة وقراها (ج قرية) وريفها , وكان لهم تأثير كبير في دهماء الناس (عامة الناس× خاصة ) ,ومنهم الحاج الخياط الذي كان دكانه يشبه الكُتاب .
    كان شحيحا (بخيلا) , ومتصلا بشيخ من كبار أهل الطرق , وكان يزدري (يحتقر) العلماء جميعا , لأنهم يأخذون علمهم من الكتب فقد كان يرى بأن العلم الصحيح هو ذلك الذي يأخذه الإنسان عن الشيوخ , ويُسمى بالعلم اللدني .
    العلم اللدني : هو ذلك العلم الذي يلقيه الله في قلب الإنسان عن طريق الإلهام , دون الحاجة للكتب .
    الصبي والعلماء
    لقد استطاع الصبي أن يتردد على كل هؤلاء العلاء ويتعلم على أيديهم حتى جمع مقدارا ضخما من العلم , يغلب عليه الاختلاف الاضطراب التناقض . وكان ذلك من أهم العوامل التي أثرت في تكوين الصبي العقلي , حيث لم يخلُ عقله من التناقض والاضطراب .

    س1 : وازن الكاتب بين نظرتي الريف والحضر للعلماء في عصره . وضح ذلك .
    جـ : تختلف نظرتا الريف والحضر للعلماء في عصر الكاتب فبينما يحظى العلماء بالتقدير والإجلال والمهابة والإكبار نجد العلماء في العواصم والمدن لا يكاد يشعر أحد غير تلاميذهم .
    س2 : الكاتب متأثر بنفسه الريف فيما يخص العلم والعلماء . وضح ذلك .
    جـ : يبدو الصبي متأثراً بنفسية الريف حيث إنه يكبر العلماء كما يكبرهم الريفيون ، ويكاد يؤمن بأنهم خلقوا من طينة نقية ممتازة غير الطينة التي خلق منها الناس جميعاً .
    س3 : استطاع كاتب المحكمة (الحنفي المذهب) أن يحول بين الفتى الأزهري وبين إلقاء خطبة الجمعة . وضح ذلك .
    جـ : عندما علم هذا الكاتب بأن خطبة الجمعة ستكون من نصيب هذا الفتى الأزهري إذا به ينهض حتى انتهى إلى الإمام فقال في صوت سمعه الناس إن هذا الشاب حديث السن وما ينبغي أن يصعد المنبر ولا أن يخطب ولا أن يصلى بالناس وفيهم الشيوخ وكبار السن ولئن خليت بينه وبين المنبر والصلاة لأنصرفن حتى إذا التفت الناس إليه من كان منكم حريصاً على ألا تبطل صلاته فليتبعني فما كان من الإمام إلا أن نهض وألقى الخطبة وصلى بهم .
    س4 : علمت الأم أن ابنها سوف يلقى خطبة الجمعة فما مظاهر اهتمامها بذلك ؟
    1 - كانت أمه مشفقة عليه من الحسد .
    2 - نهضت إلى البخور وطافت به البيت حجرة حجرة وتهمهم بكلمات لا تُفْهَم
    س5 : ماذا تعرف عن العالم الشافعي خطيب المسجد ؟
    جـ : كان عالماً معروفاً بالتقى والورع يعظمه الناس ويتبركون به إلى حد يشبه التقديس إذ أنهم يلتمسون شفاء مرضاهم وقضاء حاجاتهم عنده ويذكرونه بالخير .
    س6 : كان في المدينة شيخ مالكي المذهب عرف بتواضعه وضح ذلك .
    جـ : لقد كان هذا الشيخ عالماً ولم يتخذ العلم حرفة وإنما كان يعمل في الأرض ويتجر ويذهب إلى المسجد فيؤدى الصلاة ويفقه الناس في دينهم متواضعاً غير متكبر عليهم .
    س7 :صف موقف الحاج الخياط من العلماء مبينا ًموقف الناس منه.
    جـ : كان الناس مجمعين على أنه شحيح بخيل . وكان هذا الحاج يحتقر العلماء جميعاً ؛ لأنهم يأخذون علمهم من الكتب لا عن الشيوخ كما أنه كان يرى أن العلم الصحيح إنما هو العلم اللدني



    الحياة حلوة ومرة
    عاش الصبي حياته في تلك السنة بين البيت والكتاب والمحكمة والمسجد وبيت المفتش ومجالس العلم وحلقات الذكر , وهو لا يشعر للأيام بطعم معين , فهي حلوة مرة ومرة أخرى , وبينهما أيام فاترة (ضعيفة بلا بهجة) سخيفة .
    وفي أحد الأيام ذاق طعم الألم الحقيقي, وعرف أن كل الآلام التي كره من أجلها الحياة لم تكن شيئا أمام ذلك الألم الذي شعر به الفتى , وهنا عرف أن الدهر يمكن أن يؤلم الناس ويؤذيهم كما يستطيع أن يجعل لهم الحياة حلوة مبهجة في آن (وقت) واحد .
    فرحة الأسرة... أخت الصبي الصغرى
    كان للصبي أخت صغيرة هي صغرى أبناء الأسرة , كانت في الرابعة من عمرها , وكانت تتميز بخفة الروح , فصاحة اللسان , ,وطلاقة الوجه (ظهر عليه علامات الفرح) , وكانت قوية الخيال , فقد كانت تجلس أمام الحائط وتتحدث معه كما تتحدث أمها لمن يزورها بالبيت , وكانت تسبغ على (تفيض وتضفي عليها) كل شيء صفة الحياة والشخصية , فكانت تحول كل لعبها إلى نساء ورجال تلعب معهم وتتحدث إليهم .
    وقد كانت كل الأسرة تشعر بلذة وفرح شديد أثناء سماعها لهذه الأحاديث بين الفتاة والعرائس , دون أن تشعر الفتاة أن هناك من يراقبها ويسمع حديثها .
    الاستعداد للعيد
    لم يكد تظهر بوادر (بشائر ومقدمات.م / بادرة) عيد الأضحى حتى  أخذت الأم وأبنائها يستعدون  فالأم : قامت بتهيئة(تجهيز)الدار , وإعداد الخبز والفطير . وأخوة الصبي أخذ (بدأ)  كل منهم في الاستعداد أيضا لهذا العيد , فيختلفون (يذهبون) إلى الخياط والحذاء(صانع الأحذية) ويلهو الصغار بهذه التغيرات الطارئة على البيت بسبب قدوم العيد .
    أما الصبي فلم يحتاج للاختلاف (التردد) إلى خيّاط أو حذاء , ولا حتى اللهو بهذه التغيرات الطارئة على الدار , بل كان يكتفي بأن يخلو إلى نفسه ويعيش في الخيالات التي كان يستمدها من القصص والكتب التي كان يقرأها , ولذلك كان يسرف (يزيد) في قراءتها .
    إهمال الأطفال في الريف
    أقبلت بوادر العيد , وأصبحت الفتاة ذات يوم تشعر بنوع من الفتور والهمود (الضعف والمرض ) ولم يلتفت إليها أحد , وهي عادة أهل الريف وبخاصة إذا كانت الأسرة كثيرة العدد , والأم تعمل بكثرة .
    فهناك فلسفة آثمة (نظرة خاطئة) لنساء الريف تقوم على إهمال الصغار إذا اشتكوا , فتعتمد نظرتهم على أن جميع الأطفال يشكون وما هي إلا يوم وليلة ويفيق ويُبَلُّ (يُشفىَ) , وإذا اهتمت به أمه فإنها تزدري الطبيب (تحتقره) أو أنها تجهله (لا تعرفه) . وبالتالي تعتمد  على آراء النساء وأشباه النساء , وهي الآراء التي أفقدت الصبي بصره قبل ذلك وأفقدت الطفلة حياتها فيما بعد.
    فالطفلة ظلت مريضة ومحمومة (مصابة بالحمى)عدة أيام على فراشها في ناحية من نواحي الدار دون عناية حقيقية , فما تجد إلا أمها أو أختها تدفع إليها شيئا من الطعام من حين لآخر . والحركة مستمرة في الدار التنظيف وتجهيز الفطير والخبز والاستعداد للعيد . فالصبيان في لهوهم والشباب في ثيابهم الجديدة والأب يذهب ويروح ويجلس إلى أصحابه في آخر النهار وأول الليل
    شبح الموت يحلق على دار الصبي
    ولما كان اليوم الرابع من مرض الفتاة توقف كل شيء ,وعرفت الأم أن شبح الموت قد اقترب من البيت الذي لم يعرفه من قبل فلم يدخل هذا الشبح ذلك البيت سابقا كما لم تعرف الأم لذع (إحراقه وشدته)الألم الصحيح . كانت الأم في عملها وفجأة تسمع صياح ابنتها , فتترك كل شيئا وتسرع إليها , ويشتد صياح الفتاة ساعة بعد ساعة , ويترك الجميع ما كانوا يعملونه , الصبيان يتركون لهوهم والشباب يتركون حديثهم ويترك الأب أصدقائه ويسرع الجميع إليها , ولكن لا جدوى فما زال الصياح مستمر في شدة وألم , الأم تحاول أن تعطيها ألوان الدواء والأب (الشيخ) يذهب في ضعف شديد يصلي ويدعو الله أن يزيل عن ابنته , وما زال الصياح مستمر في شدة وألم .
    الحزن يسيطر على الأسرة
    وجاء وقت العشاء , فمدت الأخت الكبرى المائدة وحضر الشيخ (الأب) والأبناء ولكن لم تمد يد إلى الطعام فتفرق الجميع ورُفعت المائدة كم وضعت , فما زال الصياح مستمر , والأم تحدق (تدقق النظر) في ابنتها حينا وترفع يدها إلى السماء حينا آخر , وقد كشفت رأسها ولم تكن من عادتها , لكن أبواب السماء كانت قد أغلقت في ذلك اليوم , فقد سبق القضاء بما لا بد منه , فالأم تتضرع , والشيخ يتلو القرآن , والغريب أنه مع كل ذلك الألم والصياح لم يفكر أحد في الأسرة كلها في إحضار الطبيب .
    الطفلة وسكرات الموت
    وتقدم الليل فإذا بالفتاة تهدأ وأخذ صوتها يخفت (يضعف ويسكن) , وسكن اضطرابها , وتخيلت الأم أن الله قد سمع دعاءها وزوجها وقد انحلت الأزمة , ولكن هذا الحل كان حلا نهائيا , فقد رحم الله هذه الفتاة من الألم وكانت آياته في ذلك هدوء الاضطراب وخفوت الصوت , وتخيلت الأم أن ابنتها ستنام , فهي في هدوء متصل , لا صوت ولا حركة وإنما هو نفس خفيف يخرج بين شفتيها ثم يتوقف فجأة , فقد فارقت الحياة .
    مظاهر الحزن والألم لوفاة الطفلة
    والكاتب لا يعرف ما المرض الذي أصاب الفتاة , ولا يعرف كيف انتهت حياتها , وقد ارتفع صوت آخر بالصياح والبكاء إنها الأم التي شعرت بجزع وهلع (حزن شديد) فقد أحست بالثكل (الموت والهلاك وفقد الحبيب والولد) وانهمرت دموعها حتى قطعت الدموع صوتها (حبسته ومنعته من الانطلاق) وكانت تلطم خديها وتصك (تضرب) صدرها بيديها  أما الأب فكان لا ينطق بكلمة واحدة , وإنما تنهمر دموعه , في حزن شديد وأسرع ليتقبل العزاء من الجيران في صبر وجلد(تحمل)  أما الأبناء اختلفوا فمنهم من قسا قلبه فنام ومنهم من رق قلبه فسهر الليل حزنا على أخته  ثم كان يوم عيد الأضحى , وقد أقبل الأب ومعه بعض الرجال فأسرعوا وحملوا الفتاة إلى حيث مثواها الأخير , ويالها من ساعة حزن وبكاء حينما عاد الأب ظهرا بعدما وارى ابنته التراب!!!
    المصائب تتوالى على الأسرة
    ومنذ ذلك اليوم اتصلت الأواصر (الصلات) بين الأحزان وبين هذه الأسرة , فبعد شهرا واحدا مات أبو الشيخ الهرم (الكبير في السن) , وما هي إلا أشهر قليلة حتى فقدت الأم أمها الفانية (التي بلغت أرذل العمر وعمرت طويلا) , فأصبح البيت لا يعرف سوى الحداد الدائم المتصل , وأصبح الألم والحزن يقفو (يتبع) بعضه بعضا منه اللاذع (الشديد) ومنه الهادئ
    اليوم الحزين
    جاء يوم منكر حزين لم تعرف له الأسرة مثيل والذي جعل حياتها كلها حزن متصل بلا أفراح فقد قضى ذلك اليوم على الأم أن تلبس السواد طوال حياتها وألا تفرح إلا بكت إثر(بعد) ضحكها , وجعلها لا تعرف معنى الفرح ,ولا تفارق الدموع خديها , ولا تبتسم لعيد إلا وهي كارهة راغمة (مكرهة,مجبرة) .
    وباء الكوليرا ومرض أخيه الشاب
    كان هذا اليوم هو يوم 21 أغسطس سنة1902م , فقد كان الصيف حزين منكر (غير محبب للنفس بسبب أحزانه) , فقد انتشر وباء (المرض الذي انتشر وتفشى) الكوليرا الذي فتك بأهل مصر (قتل على غرة) , وقضى على أسر بكاملها , ودمر مدنا وقرى كاملة , حتى أغلقت المدارس والكتاتيب وانبث (انتشر) الأطباء ورسل مصلحة الصحة (وزارة الصحة) في القرى والمدن ومعهم أدواتهم وخيامهم يحجزون فيها المصابين والمرضى
    وكان من نتيجة ذلك أن الهلع (الفزع والخوف الشديد) قد أصاب الناس وهانت في أعينهم الدنيا , حتى أن سيدنا أكثر من كتابة الحجب والمخلفات (أدعية تكتب في الحجاب لمنع الشر) وبدأت كل أسرة تتحدث عما أصاب الأسر الأخرى و وتنتظر حظها من المصيبة ,
    أما أم الصبي , فقد أصابها الهلع المستمر , تسأل نفسها ألف مرة في كل يوم بمن تنزل النازلة (المصيبة) من أبنائها  وبناتها , حتى أتاها الجواب في أحب وأكثر أبنائها بر بوالديه
    صفات الفتى أخي الصبي (المصاب بالكوليرا )
    كان للأسرة فتى في الثامنة عشر من عمره حصل على البكالوريا (الثانوية العامة) وانتسب لمدرسة الطب , فقد كان أنجب أفراد الأسرة وأذكاها وأرقها قلبا وأكثرهم برا بوالديه وأعطفهم على إخوته , وكان سعيدا مبتهجا دائما .
    وعندما انتشر الوباء اتصل بطبيب المدينة وكان يرافقه إلى حيث يذهب , وكان يقول بأنه يتمرن على صنعته حتى جاء يوم 20أغسطس 1902م.
    ما الذي حدث في ذلك اليوم ؟
    عاد الفتى على عادته مبتسما سعيدا ولاطف أمه وداعبها , وقال بأن المدينة لم تصب اليوم إلا بعشرين حالة فقط , وأن الوباء بدأ في الانحسار , ولكنه شكا من بعض الغثيان (اضطراب في المعدة حتى تكاد تقيء) ثم خرج لأبيه فجلس معه وحدثه كعادته , وجاء أصدقائه فذهب معهم إلى حيث يذهبون كل ليلة عند شاطئ الإبراهيمية , ثم عاد إلى البيت وزعم لأهله أن أكل الثوم يقي من هذا المرض فأكل الجميع إلا أبيه وأمه فإنه فشل في إقناعهما بذلك .
    ثم دخل الجميع للنوم , فإذا بصيحة غريبة ملأت إرجاء (نواحي ) البيت و فهب (استيقظ مسرعا) لها كل من في البيت , وأسرع الجميع إلى دهليز(مدخل البيت ج / دهاليز) البيت متجهون إلى مصدر الصوت .
    المرض واشتداده على الفتى
    لقد أصيب الشاب بالمرض وقد كان يحاول جاهدا أن يكتم صوت القيء , فقد قضى ساعة أو ساعين يخرج من الحجرة على أطراف قدميه فيقيء ويعود دون أن يشعر به أحد فلما اشتد المرض لم يستطع أن يكتم صوته و فسمع الجميع هذه الحشرجة (صوت يتردد في الحلق أثناء القيء) ففزعوا لها جميعا .
    وهنا عرفت الأم بمن تنزل النازلة ومن أبنائها سيصاب بهذا المرض اللعين , ولم يستطع أن يفعل شيئا سوى أن يتمالك نفسه في صبر وجلد ويدخل ابنه إلى حجرته وأمر بالفصل بينه وبين إخوته أسرع فأحضر جارين من جيرانه ثم أسرع إلى الطبيب .
    ماذا فعلت الأم عندما علمت بمرض ابنها ؟
    كانت أم الفتى مروعه (خائفة) مؤمنة جلدة , تهتم بابنها , حتى إذا توقف القيء أسرعت إلى الدهاليز فرفعت يديها ووجهها إلى السماء وفنيت في الدعاء والصلاة (اجتهدت واستغرقت في ذلك) , فإذا سمعت حشرجة ابنها أسرعت إليه فوضعت رأسه على صدرها وما زال لسانها يدعو الله أن يشفيه ويرحمه .
    ولم تستطع أن تحول وتفصل بين الفتى وإخوته , فقد أسرع الجميع إليه وأحاطوا به واجمين (اشتداد الحزن حتى منعهم من الكلام) وهو يداعب أمه كلما انتهى القيء , ويلعب مع صغار إخوته , حتى أتي الطبيب فوصف ما وصف من دواء ثم انصرف على أن يعود في الصباح فجلست الأم في حجرة ابنها , أما الشيخ بعدما انصرف الطبيب فقد جلس قريبا من الحجرة لا يدعو ولا يقرأ القرآن ولا يتكلم مع أحد من الذين يتحدثون إليه .
    احتضار الابن
    أتى الصبح بعد لأى (جهد شديد) , وأخذ الفتى يشكو ألما في ساقيه فيدلكها له أخواته , وهو يشكو من شدة الألم , فمرة يتحمل ومرة يصيح من شدته وألمه .
    وقد طلب الفتى بأن يُبرق(يرسل إليه برقيه, تلغراف) إلى أخيه الأزهري في القاهرة ليحضر وكذلك إلى عمه في أعلى الإقليم , وكان يطلب الساعة من حين لآخر , فقد كان يخشى أن يموت دون أن يراهما .
    وبالفعل فالموت لم يمهله حتى يراهما فقد جاء الطبيب في الصباح , وخرج وقد يئس من شفاء الصبي , وقد أسر (تحدث سرا) إلى الرجلين بأن الفتى يحتضر , فأسرع الرجلان حتى دخلا على الفتى الحجرة وأمه عنده وكانت تلك أول مرة في حياتها تظهر أمام الرجال
    وكان الفتى في تلك اللحظات يتلوى من شدة الألم ويواسي أمه ويقول لها بأنه ليس أفضل من النبي الذي مات وأن الجميع إلى زوال ثم يتجه إلى أبيه يريد أن يواسيه فلا يجيب عليه الشيخ .
    ثم ألقى نفسه على السرير وعجز عن الحركة , وأخذ يئن (يحدث صوتا من شدة المرض)أنينا يخفت(يضعف) من وقت لآخر , حتى انتهى الصوت باضطراب قليل ورعشة قوية سارت في جسمه  تبعها موت الفتى .
    ثم أسرع الرجلان فهيآه (جهّزاه للدفن) وعصّباه وألقيا على وجهه لثاما (رباط يشد على وجه الميت) ثم خرجا للشيخ . وما هي إلا ساعة حتى تم تجهيز الفتى للدفن , وخرج به الرجال على أعناقهم لمثواه (مستقره) الأخير , وما كادوا يخرجوا به حتى كان أول من لقي النعش ذلك العم الشيخ الذي كان الفتى يتمهل الموت حتى يراه .
    أين كان الصبي ؟
    لقد كان الصبي منزوٍ في أحد أركان الغرفة واجما كئيبا دهش يمزق الحزن قلبه , حتى أنه لا ينسى أبدا تلك الأنة التي أرسلها الفتى نحيلة ضئيلة طويلة ثم سكت بعدها للأبد .
    وظل في مكانه حتى أتى أحد الرجلين فجذبه بشدة , وأخذه إلى مكان بين الناس فوضعه كما يوضع الشيء بلا اهتمام .
    أم الفتى
    قامت أم الفتى , وقد انتهى صبرها ووهى جلدها (ضعف تحملها وصبرها) , فما كادت تقف حتى هوت (سقطت) فأسرع الرجلان وأسنداها , وتمالكت نفسها حتى خرجت من الغرفة , وبمجرد أن تجاوزتها حتى أطلقت شكاة (شكوى)وصيحة عالية لا يذكرها الفتى إلا انخلع قلبه من شدتها وشدة ألمها .
    وقد ازدحم الناس خارج الدار يواسون الشيخ , وأسرعت النساء إلى أم الفتى يواسين أمه , والشيخ وزوجته مشغولون عن كل هؤلاء بالفتى وما يعانيه من آلام المرض .
    استقرار الحزن في بيت الصبي , (تغير عادات الأسرة)
    فمن ذلك اليوم استقر الحزن العميق (الشديد) في بيت الصبي , وأصبح الفرح والابتهاج شيء يجب على الجميع من شبان وصغار أن يتجنبه .
    حتى أن الشيخ منذ ذلك اليوم تعود إذا جلس إلى مائدة الغداء أو العشاء أن يذكر ابنه الفتى ويبكيه ساعة أو بعض ساعة , وأمامه زوجته تعينه ,
    والأبناء يحاولون تعزية هذين الأبوين فلا يبلغون منهما شيئا (لا يستطيعون) فيجهشون بالبكاء جميعا (يتهيئون ويهمون بالبكاء) .
    ومن ذلك اليوم تعودت تلك الأسرة أيضا أن تعبر النيل إلى مقر الموتى من حين لآخر , وكانت من قبل ذلك تعيب على من يذهب لزيارة القبور .
    وفاء الصبي لأخيه الشاب
    لقد تغير الفتى منذ ذلك الحين فعرف الله حق المعرفة وحرص على التقرب إلى الله تعالى بكل ألوان الطاعة , فأحيانا بالصلاة وأحيانا بالصدقة وأحيانا بتلاوة القرآن .
    وعرف الصبي من شيوخه أن الإنسان يحاسب على أعماله من الخامسة عشر من عمره , وهو يعلم أن أخيه من طلاب المدارس وكان مقصر بعض الشيء في وجباته الدينية , وحسب الفترة بين موت أخيه وبداية محاسبته على أعماله فوجدها ثلاثة سنوات لأن الفتى مات في الثامنة عشر من عمره , ولذلك فقد عاهد الله على أن يصلي الخمس كل يوم مرتين مرة له ومرة لأخيه , وأن يصوم شهر رمضان مرتين أيضا , له ولأخيه , وعاهد الله على أن يكتم ذلك كله عن أسرته وأن يجعل ذلك بينه وبين الله تعالى .
    وكان من بره بأخيه بعد موته أنه أخذ عهد على نفسه ألا يأكل من طعام أو فاكهة  إلا وأطعم منه فقير أو يتيم قبل أن يأكل هو منه .
    ويشهد الله أن الفتى ظل على عهده أشهرا , و ما غير سيرته هذه إلا عندما ذهب إلى الأزهر
    وقد عرف الصبي أيضا الأرق (السهر) فكان دائما ما يذكر أخاه في سواد الليل فلا يستطيع أن ينام ويظل يقرأ سورة الإخلاص آلاف المرات ويهبها لأخيه الشاب . وكذلك أخذ ينظم شعرا على نحو ما كان يقرأه في الكتب والقصص يعبر فيه عن حزنه العميق على أخيه ولا ينهي قصيدة إلا وصلى فيها على النبي () ووهب هذه الصلاة أيضا لأخيه .
    وكذلك عرف الصبي الأحلام المروعة (المخيفة) فقد كانت علة أخيه تتمثل له كل ليلة في منامه ويقظته , واستمر هذا الحال أعواما عديدة حتى أصبح الصبي فتى ورجلا ,  وهو ما زال كما هو من وفاء لأخيه  , يراه في المنام مرة في الأسبوع مرة واحدة على أقل تقدير .
    وقد تعزي (تصبر) الأخوة عن ذلك الفتى , ونسيه من نسيه من أصحابه وأترابه (أقرانه وأصدقائه )  , وكانت ذكراه لا تزور الشيخ إلا لماما (في بعض الأحيان) , ولكن لم يظل يذكره وسيظل يذكره إلى أن يموت إلا اثنين هما أمه وهذا الصبي (يقصد نفسه - طه حسين)

    س1 : كيف كان الصبي (طه) يقضّي أيامه ؟
    جـ : بين البيت والكتَّاب والمحكمة والمسجد وبيت المفتش ومجالس العلماء وحلقات الذكر , لا هي بالحلوة ولا هي بالمرَّة ، ولكنها تحلو حينا وتمر حينا آخر ، وتمضي فيما بين ذلك فاترة سخيفة.
    س2 : لنساء القرى فلسفة آثمة في التعامل مع أطفالهم الذين يشكون من مرض ما . وضح .
    جـ :  الفلسفة الآثمة : إذا اشتكى طفل فنادراً ما تعنى به أمه وخاصة إذا كانت الأسرة كبيرة العدد و الأم كثيرة العمل ، إنما تتركه كي يشفى بنفسه ، ولا تذهب به إلى طبيب ، وإذا عالجته فتعالجه بعلم النساء في الريف (الوصفات البلدية)
    س3 : متى عرف الصبي الألم الحقيقي ؟ وما الذي اكتشفه عندئذ ؟
    جـ : عرفه عندما فقد أخته الصغرى بالموت . واكتشف أن تلك الآلام التي كان يشقي بها لم تكن شيئا .
    س4 : بم وصف الصبي أخته ؟ وبم وصف طفولتها ؟
    جـ : وصف الصبي أخته بأنها : خفيفة الروح - طلقة الوجه - فصيحة اللسان - عذبة الحديث - قوية الخيال .
    - وصف طفولتها بأنها : طفولة لهو وعبث , تجلس إلى الحائط فتتحدث إليه كما تتحدث أمها إلى زائرتها ، وتبعث في كل اللعب التي كانت بين يديها روحا قويا وتسبغ (تضفي)عليها شخصية. فهذه اللعبة امرأة وهذه اللعبة رجل ، وهذه اللعبة فتى ، وهذه اللعبة فتاة ، والطفلة بين هؤلاء الأشخاص جميعا تذهب وتجيء ، وتصل بينها الأحاديث مرة في لهو وعبث ، وأخرى في غيظ وغضب ، ومرة ثالثة في هدوء واطمئنان.
    س5 : لمَ عدّ طه حسين شقيقته ضحية الإهمال ؟
    جـ : عدّ طه حسين شقيقته ضحية الإهمال ؛ لأن أحداً لم يهتم بها عندما ظهرت أعراض المرض عليها وظلت محمومة أياماً ، ولم يستدعِ أحد الطبيب لعلاجها .
    س6 :  حتى إذا كان عصر اليوم الرابع وقف هذا كله فجأة . وقف وعرفت أم الصبي أن شبحاً مخيفاً يحلق على هذه الدار .. .. ما الشبح المخيف المقصود ؟
    الشبح المخيف هو شبح الموت الذي اختطف شقيقته .
    س7 : ما الذي كان يفعله الشيخ والأم كلما ازداد صراخ الطفلة ؟
    جـ : الشيخ كان يأخذه الضعف الذي يأخذ الرجال في مثل هذه الحال ، فينصرف مهمهما بصلوات وآيات من القرآن يتوسل (يستنجد) بها إلى الله.أما الأم فكانت جالسة واجمة تحدق في ابنتها وتسقيها ألوانا من الدواء .
    س8 :  عاد الشيخ إلى داره مع الظهر وقد وارى ابنته في التراب... منذ ذلك اليوم اتصلت الأواصر بين الحزن وبين هذه الأسرة ... ماذا قصد الكاتب بهذه الأواصر ؟
    جـ : قصد الكاتب بهذه الأواصر استمرار الأحزان في البيت فقد خطف الموت بعد ذلك أباه الهرم (شديد الكبر) ، وما هي إلا أشهر أخرى حتى فقدت أمّ الصبي أمّها الفانية (الهالكة) ، ثم كانت الكارثة بفقد ابنها بداء الكوليرا .
    س9 : ما اليوم الذي طبع الأسرة بطابع الحزن الدائم ؟
    جـ : كان هذا اليوم يوم الخميس 21 أغسطس من سنة 1902 عندما اختطف الموت ابنهم الذي كان يدرس بمدرسة الطب بعد إصابته بمرض الكوليرا .
    س10 : ما الذي تعوّد عليه الشيخ و أسرته عند كل غذاء و عشاء ؟
    جـ : تعوّد الشيخ ألاَّ يجلس إلى غدائه ولا إلى عشائه حتى يذكر ابنه ويبكيه ساعة أو بعض ساعة ، وأمامه امرأته تعينه على البكاء ، ومن حوله أبناؤه وبناته يحاولون تعزية هذين الأبوين فلا يبلغون منهما شيئا فيجهشون جميعا بالبكاء.من ذلك اليوم تعودت هذه الأسرة أن تعبر النيل إلى مقر الموتى من حين إلى حين ، وكانت من قبل ذلك تعيب الذين يزورون الموتى.
    س11: متى تغيّرت نفسية الصبي ؟ وما مظاهر ذلك التغيُّر ؟
    جـ : تغيّرت نفسية الصبي منذ فقد شقيقه .
    - مظاهر ذلك التغيُّر : تغيرت نفسية صبينا تغيرا تاما. عرف الله حقًّا وحرص على أن يتقرب إليه بكل ألوان التقريب: بالصدقة وبالصلاة حينًا آخر وبتلاوة القرآن مرة ثالثة.
    س12 : كيف فكّر الصبي في الإحسان إلي أخيه الشاب بعد وفاته ؟
    جـ : وذلك بأن يحط (يلق ويبعد)عن أخيه بعض السيئات ، فكان يصوم ويصلي و له و لأخيه ، وكان يقرأ سورة الإخلاص آلاف المرات ثم يهب ذلك كله لأخيه .




    أنباء سارة للصبي
    لقد قال الشيخ لابنه بأنه  هذه المرة سوف يذهب حقا إلى القاهرة , وسيكون مجاورا(اسم يطلق على تلاميذ الأزهر) , وستجتهد في طلب العلم , وتمنى الأب أن يهيش حتى يرى ابنه الأزهري قاضيا كبيرا , ويرى الصبي عالما من علماء الأزهر يجلس إلى عمود ويلتف حوله الطلاب في حلقة واسعة بعيدة المدى (المسافة).
    أثر كلام الشيخ على الصبي
    لم يصدق الصبي هذا الكلام ولم يكذبه , فكثيرا ما قال له أبوه هذا الكلام وكثيرا ما كان يأتي أخيه الأزهري ويسافر إلى القاهرة دون أ يأخذه معه , ويتركه ليتردد على المحكمة والكتاب ومجالس العلماء , ولذلك فضل أن ينتظر الأيام لتصدق هذا الكلام أو تكذبه .
    هل حققت الأيام كلام الأب ؟
    نعم فما هي إلا أيام وجاء يوم الخميس ووجد الصبي نفسه يتجهز حقا لكي يسافر إلى القاهرة برفقة أخيه الأزهري , فهاهو يرى نفسه فيس المحطة ولما تشرق الشمس (قبل شروق الشمس)
    حزن الصبي أثناء وجوده في المحطة
    وجد نفسه حزينا منكّس الرأس  فنهره (عنفه ويزجره ويغضبه)أخوه الأكبر بلطف , وقال لا تكن بذلك الوجه الحزين حتى لا يحزن أخوك الأزهري , وقال له الشيخ يشجعه على هذه المرحلة الجديدة , مال الذي يحزنك ؟ ألست رجلا؟ ألست قادر على أن تفارق أمك ؟أم أنك تريد أن تلعب ؟ ألم يكفك هذا اللعب الطويل ؟
    حقيقة الحزن
    يشهد الله بأن الصبي لم يكن حزينا على فراق أمه أو على عدم لعبه , ولكنه كان حزينا على ذلك الفتى الذي ينام(أخوه الذي مات) من وراء النيل , وذلك لأنه كان يذكره وكان يذكر بأنه سيكون معهما في القاهرة تلميذا في مدرسة الطب , ولكنه لم يقل شيئا ولم يظهر حزنا وإنما اكتفى بالابتسام , ولو ترك نفسه بطبيعتها لبكى كثيرا وأبكى من حوله جميعا .
    الصبي في القاهرة
    انطلق القطار ومضت ساعات ورأى صاحبنا (الصبي) نفسه في القاهرة بالفعل , وقد أقبل جماعة من المجاورين إلى أخيه يحيونه وأكلوا معه ما أتى لهم به من القرية , ثم انقضي ذلك اليوم وهو الجمعة .
    ثم وجد نفسه في الأزهر يصلي الجمعة , وإذا بشيخ ضخم الصوت فخم الرائيات والقافات , لا فرق بينه وبين خطيب المدينة إلا في ذلك , أما الخطبة فكما هي بنفس النعوت ونفس الحديث الذي تعود على سماعه , وإما الصلاة فكما هي ليست أطول ولا أقصر من تلك التي في المدينة
    الصبي والعلوم التي سيدرسها
    عاد الصبي خائب الظن إلى حجرة أخيه , فقد كان يظن أن هناك فرق بين المدينة والأزهر , وسأله أخوه عن دراسة التجويد والقراءات , فقال بأنه يتقن التجويد ’ولا يحتاج القراءات في شيء , ولكنه طلب أتن يدرس العلوم مثل الفقه والنحو والمنطق والتوحيد
    الصبي مع أخيه في درس الفقه
    رفض الأخ وقال له حسبك (يكفيك) يكفيك أن تدرس النحو والفقه في هذه السنة , ثم استيقظ الفتى وأخوه من النوم قبل صلاة الفجر في اليوم التالي(السبت) فقال له أخوه إننا سنذهب الآن لنصلي الفجر في مسجد كذا وسنحضر درسا ليس لك ولمنه لي , ثم عندما ينتهي أذهب بك إلى الأزهر فألتمس لك شيخا من أصحابنا تختلف إليه (تتردد عليه) وتأخذ عنه مبادئ العلم , فسأله الصبي عن هذا الدرس الذي سيحضره فقال أخوه بملء فمه هو درس في الفقه عن ( ابن عابدين على الدّرّ) .
    شيخ أخيه عالم جليل تعرفه الأسرة
    سأل الصبي أخاه عن ذلك الشيخ , فقال له أنه فلان , فلم يعجبه ذلك الشيخ , لأنه قد سمع اسمه آلاف المرات من والده الذي كان يفتخر بأنه عرف الشيخ فلان حينما كان قاضيا للإقليم ,وكان دائما ما يسأل ابنه عنه كلما حضر من القاهرة .
    وكانت أمه دائما ما تذكر هذا الاسم , وتذكر أنها عرفت زوجته ووصفتها بأنها فتاة هوجاء (حمقاء ج /هُوج وهوْجاوات مذكرها أهوج ) , وجلفة (جافة) فهي تتكلف زي أهل المدن وما هي من أهل المدن في شيء .
    علاقة الفتى الأزهري بالشيخ
    لقد عرف الشيخ الفتى الأزهري وجعله من أخص تلاميذه , فقد كان يحضر الفتى دروسه في المسجد , ثم يذهب ليحضر دروسه الخاصة في البيت , كما أنه يساعده في تأليف كتبه الكثيرة وكان يحاول تقليده لأبيه فيضحك الأب من ذلك مفتخرا متعجبا .
    وكان من أثر ذلك على الأب انه كان يخرج لأصحابه فيحدثهم عن الشيخ وقرب ابنه منه ويقص عليهم ما يسمع في شيء من الافتخار والإعجاب الشديد.

    س1 : بِمَ وعد الشيخ (الأب) ابنه ؟ ولماذا لم يكن الابن (طه) مصدقاً أو مكذّباً لهذا الكلام ؟
    جـ : وعده بأن يرسله إلى القاهرة مع أخيه ، ويصبح مجاورًا(منتسباً للأزهر الشريف).
    - و لم يكن مصدقاً أو مكذّباً لهذا الكلام ؛ فكثيراً ما قال له أبوه مثل هذا الكلام ، وكثيرًا ما وعده أخوه الأزهري مثل هذا الوعد ، ثم سافر أخوه إلى القاهرة ، وبقي الصبي في المدينة يتردَّد بين البيت والكتَّاب والمحكمة ومجالس الشيوخ.
    س2 : بماذا كان يحلم الشيخ (الأب) لابنه طه و أخيه ؟
    جـ : كان يحلم أن يرى طه عالماً من علماء الأزهر ، وقد جلس إلى أحد أعمدته ومن حوله حلقة واسعة من طلبة العلم .. أما الأخ فكان يتمنى أن يراه قاضياً .
    س3 : ما الذي كان يحزن الصبي(طه) وهو يتأهب للسفر إلى الأزهر ؟
    جـ : الذي كان يحزن الصبي هو تذكُّره لشقيقه الفقيد الذي توفي بداء الكوليرا  .
    س4 : لماذا عاد الصبي (طه) إلى حجرة أخيه خائب الظن ؟
    جـ : لأنه لم يجد فرقاً بين ما سمعه في الأزهر وما تعلمه في القرية من تجويد القرآن ودروس القراءات ؛ فالتجويد يتقنه ، وأما القراءات فليس في حاجة إليها.
    س5 : ماذا أراد الصبي (طه) أن يدرس في أول سنة له في الأزهر ؟ و بمَ نصحه أخوه حينئذ ؟
    جـ : أراد الصبي (طه) أن يدرس في أول سنة له في الأزهر الفقه والنحو والمنطق والتوحيد
    - وقد نصحه أخوه أن يدرس الفقه والنحو في أول سنة فقط .



    حديث دار بين الأب (طه حسين) وابنته (أمينة) عن طفولته وصباه , وبخاصة عندما كان في الثالثة عشر من عمره .
    اتهم الأب ابنته بالسذاجة والطيبة , لأنها في التاسعة من عمرها والأطفال في ذلك السن يعجبون بآبائه وأمهاتهم إعجابا شديدا , فيتخذون منهم مثلا عليا في الحياة , ويتأثرون(يقلدون ويقتدون) بهم في القول والفعل , بل إن الأطفال يفخرون بهم أمام أقرانهم (مفرد قرن وهو المثيل والنظير) ,ويتخيلون أنهم في طفولتهم كانوا كما هم الآن مثلا عليا وأسوة (قدوة) حسنة
    نظرة الفتاة إلى أبيها
    ترى أنه خير الرجال وأكرمهم , كما كان خير الأطفال وأكرمهم عندما كان صغيرا , فهي تظن أتنه كان يعيش في صغره كما تعيش هي الآن في رفاهية ونعيم , ولم تعلم أنه كان يبذل كثير من الجهد (المشقة) ما يطيق (يستطيع), و مالا يطيق ,حتى بجبنها الحياة في مثل ظروفه عندما كان في مثل سنها .
    الأب يخفي الماضي المؤلم وكثيرا من فترات حياته عن ابنته
    لقد حكا لها كثيرا من أطوار (مراحل مفرد طور ) حياته ولكنه أخفى عنها مراحل كثيرة أيضا , و ما ذلك إلا لأنه يخشى أن يخيب ظنها وأمالها في أبيها , كما كان يخشى أن يفتح عليها بابا من الحزن والألم , وهو يعتبره حراما أن يفتح عليها مثل ذلك الباب الحزين في مثل سنها  ويخشى أن يملكها الإشفاق وتأخذها الرأفة بحال أبيها , فتبكي بكاء شديدا أو أن تضحك من ذلك الحديث قاسية لاهية دون مراعاة له  , فهو يعرف طبيعة الأطفال الذين يميلون للهو والعبث , وهو لا يحب أن يضحك طفل من أبيه .
    ولذلك آثر (فضل) أن يترك تلك المراحل المؤلمة حتى تتقدم بها السن (تكبر) وهنا تستطيع أن تقرأ وتفهم ما كان من معاناته وآلامه في تلك الفترات , وتستطيع أن تعرف مدى ما بذله من جهد من أجل إسعادها وتعرف مدى حبه الشديد لها .
    بكاء الفتاة عند سماعها لقصة ( أوديب ملكا )
    حكى الأب لابنته قصة أوديب ملكا , ذلك الملك الذي فقأ عينيه وخرج من قصره وسار هائما على وجهه في الأرض لا يعرف كيف يسير أو كيف يهتدي , حتى أقبلت عليه ابنته (أنتيجون) وأخذت بيده فقادته وأرشدته . وهنا تغيرت الفتاة وأخذت جبهتها السمحة تربد (تتغير) شيئا فشيئا حتى أجهشت (همت)بالبكاء , ثم انكبت (أقبلت)الفتاة على أبيها لثما (تقبيلا) وتقبيلا , فأسرعت أمها إليها فأخذتها وهدأت من روعك (فزعك) , وفهمت الأم والأب سبب البكاء , فقد تذكرت الفتاة أن (أوديب) أصبح أعمى مثل أبيها لا يستطيع أن يرى أو يتحرك إلا بمساعدة الآخرين . حكى لها عن فترة الثالثة عشر عندما أرسله أبوه إلى الأزهر ليختلف (يتردد) على العلماء والدروس في الأزهر .
    وصف نفسه في تلك الفترة
    كان نحيفا شاحب اللون , مهمل الزي , أقرب للفقر من الغني , تقتحمه العيون(تحتقره) فقد كانت عباءته قذرة , وطاقيته البيضاء قد استحال(تحول) لونها إلى  السواد القاتم , وكان قميصه الذي يبين (يظهر) تحت عباءته قد اتخذ ألوانا متعددة بسبب كثرة ما سقط عليه من طعام , ونعليه (حذائه) باليين (قديمين مرقعين) , من أجل ذلك كانت تحتقره عيون كل من يراه .
    ولكن تلك العيون كانت أيضا تبتسم له حين ترى تلك الحالة الرثة (البالية الحقيرة) , وذلك البصر المكفوف , فهو مكفوف البصر واضح الجبين مبتسم الثغر(الفم ج ثغور) مسرع الخطى مع قائده إلى الأزهر بلا تردد , كما لا تظهر على وجهه تلك الظلمة التي تظهر على وجوه المكفوفين , وكان في الأزهر مصغيا (مستمع باهتمام) مبتسما , لا يظهر عليه الألم أو التبرم (الضيق والضجر) , ولا يظهر عليه اللهو رغم أن من حوله من صبيان كانوا يلهون ويلعبون من حوله أو على الأقل يشرئبون إليه (يتطلعون ويسعون ) .
    مظاهر حرمان الصبي في الأزهر
    لقد حكى لها أنه كان يقضى اليوم والأسبوع والشهر والسنة وهو لا يأكل إلا لونا (نوعا)واحدا من الطعام , دون تبرم(ضيق أو ضجر) أو تجلد (متحملا) , بل كان راضيا بحاله , فكان يأكله في الصباح وفي المساء , ولو حدث أن عاشت تلك الفتاة ما عاشه هو ولو يوما واحدا لأشفقت عليها أمها وأسرعت إليها بكوب الماء المعدني واستدعت الطبيب على الفور
    طعام الصبي أثناء دراسته بالأزهر :
    لقد كان يعيش الصبي على خبز الأزهر , وما أدراك ما خبز الأزهر , لقد كان الأزهريون يجدون فيه من ضروب (أنواع) القش والحصى والحشرات ما لا يعد ولا يحصى .
    فقد كان لا يأكل مع هذا الخبز إلا العسل الأسود , وهي لا تعرف العسل الأسود ودعا بألا تعرفه , ورغم ذلك كان يعيش مبتسما , ورغم أنه يحيا محروما فلم يظهر عليه هذا الحرمان ,ولعل السبب في ذلك هو رغبته في الوصل إلى ما وصل إليه أخوه الشاب الأزهري وتحصيل العلم , وتحقيق أمنية والده بأن يكون عالما كبيرا له حلقه واسعة في الأزهر .
    هل عرف أبواه بما كان يحدث له في القاهرة ؟
    بالطبع لا , فقد كان كل عام إذا سأله أبواه عن الطعام والشراب , قص عليهما الأكاذيب , كما تعود كل عام , فيتحدث عن رغد العيش (نعيم الحياة) , ولم يدفعه إلى ذلك حبه للكذب , بل رفقه بوالديه وإشفاقا على أخيه الأزهري الذي كان يستأثر بقليل من اللبن من دونه .
    السر في تغير حياته
    كيف أصبح طه حسين على ما هو عليه من شكل مقبول وحياة كريمة , وكيف استطاع أن يثير في نفوس كثير من الناس حبه وإكرامه وتقديره وتشجيعه ؟ , إنه (طه حسين) لا يستطيع أن يجيب , بل إن هناك شخص آخر يمكنه ذلك , ذلك الشخص هو أمها الملاك .
    بم وصف طه حسين زوجته ؟
    بأنها ملاك قائم ساهر على سرير ابنته يحنو عليها, لتستقبل الليل والنهار في سعادة ومرح وابتهاج , وهذا الملاك هو ذاته الذي حنا على طه حسين من قبل , فبدل بؤسه وحرمانه إلى أملا ونعيم , وغير فقره إلى غنى وشقائه إلى سعادة .
    ولذلك فهو وابنته مدينان لهذه الأم الملاك بكل ما يعيشان فيه من نعيم , ولذلك دعا ابنته للوفاء لأمها بهذا الدين العظيم .

    س1 : لماذا أشفق الكاتب (طه) من مصارحة ابنته بحقيقة ما كان من طفولته وصباه ؟
    جـ : وذلك حتى لا تتغير الصورة الجميلة التي كثيراً ما يرسمها الأطفال عن آبائهم في تلك السن الصغيرة ، و حتى لا يخيب كثيراً من ظنها ، أو يفتح إلى قلبها باباً من أبواب الحزن فيعكر صفو حياتها .
    س2 : بمَ تفسر بكاء الابنة بعد سماع قصة  أوديب ملكاً  ؟
    جـ : بكيت الابنة لأنها رأت أوديب الملك كأبيها مكفوفًا لا يبصر ولا يستطيع أن يهتدي وحده. فبكيت لأبيها كما بكيت لقصة أوديب .
    س3 : بمَ وصف الكاتب (طه) هيأته وشكله حينما أرسل إلى القاهرة وهو في الثالثة عشرة من عمره ؟
    جـ : كان نحيفًا شاحب اللون - مهمل الزيّ أقرب إلى الفقر منه إلى الغنى- يرتدي عباءة قذرة و طاقية تحوّل بياضها إلى سواد قاتم - قميصه اتخذ ألوانًا مختلفة من كثرة ما سقط عليه من الطعام - حذاءه قديم مرقّع - واضح الجبين مبتسم الثغر لا متألمًا ولا متبرمًا ولا مظهرًا ميلاً إلى لهو - ولا تظهر على وجهه هذه الظلمة التي تغشى عادة وجوه المكفوفين .
    س4 :  ويل للأزهريين من خبز الأزهر ..  ماذا قصد الكاتب بهذه العبارة ؟
    جـ : يقصد المعيشة السيئة ، حيث كان ذلك الخبز يجدون فيه ضروبًا من القش وألوانًا من الحصى وفنونًا من الحشرات التي تجعل أكله عذاباً .
    س5 : لماذا كان طه حسين يخفي عن أبويه ما كان فيه من حرمان أثناء دراسته في الأزهر ؟
    جـ : لأنه كان يرفق بهذين الشيخين ويكره أن يخبرهما بما هو فيه من حرمان ، فيحزنهما.
    س6 : كان طه حسين يرى أن الناس ينظرون إليه بمنظارين . وضح .
    جـ : كثير من الناس ما يثير من حسد وحقد وضغينة ، وآخرون ينظرون إليه برضا و تشجيع .



















    عرض الأحداث :
    1- انتقال الفتى للقاهرة :-
    أقام فى القاهرة أسبوعين أو أكثر من أسبوعين ، لا يعرف من أمره إلا أنه ترك الريف وأنتقل إلى العاصمة ليطيل فيها المقام طالبآ للعلم مختلفآ إلى مجالس الدرس فى الأزهر ، وإلا أنه يقضى يومه فى أحد هذه الأطوار الثلاثة التى يتخيلها و لا يحققها .
    2- الصبى يسكن بيتآ غريبآ ويسمع صوتآ غريبآ:-
    فهو يسكن بيتآ غريبآ يسلك إليه طريقآ غريبة أيضا ، ينحرف إليها نحو اليمين إذا عاد من الأزهر ، فيدخل من باب يفتح أثناء النهار ويغلق فى الليل ، وتفتح فى وسطه فجوة ضيقة بعد أن تصلى العشاء . فإذا تجاوز هذا الباب أحس عن يمينه حرآ خفيفآ يبلغ صفحة وجهه اليمنى ، ودخانآ خفيفآ يداعب خياشيمه ، وأحس من شماله صوتآ غربيآ يبلغ سمعه ويثير فى نفسه شيئآ من العجب . وقد ظل أيامآ يسمع هذا الصوت إذا عاد من الأزهر مصبحآ أو عاد منه ممسيآ ، يسمعه وينكره ويستحى أن يسأل عنه ثم فهم من بعض الحديث أنه قرقرة الشيشة يدخنها بعض تجار الحي ويهيئها صاحب القهوة التي كان ينبعث منها ذلك الحر الخفيف وذلك الدخان الرقيق
    3- وصف الطريق إلى بيتة وعقباتها :-
    فإذا مضى أمامه خطوات وجاوز ذلك المكان الرطب المسقوف الذى لم تكن تستقر فيه القدم لكثرة ما كان يصب فيه صاحب القهوة من الماء ، وخرج إلى طريق مكشوفة ولكنها ضيقة قذرة تنبعث منها روائح غريبة ومعقدة لا يكاد صاحبنا يحققها ، تنبعث هادئة بغيضة فى أول النهار وحين يقبل الليل ، و تنبعث شديدة عنيفة حين يتقدم النهار ويشتد حر الشمس .
    وكان صاحبنا يمضى امامه فى هذه الطرق الضيقة ، وقلما كانت تستقيم له هذه الطريق . وما أكثر ما كان صاحبه ينحرف به ذات اليمين أو ذات الشمال ليجنبه عقبة قائمة هنا أو هناك فكان يسعى حينئذ مستعرضآ قد أدار وجهه نحو هذا البناء عن يمين أو ذلك البناء عن شمال ، حتي إذا جاوز هذه العقبة أستقبل الطريق كما بدأها ساعيآ أمامه فى خطا رفيقة قلقة ، تأخذ أنفه تلك الروائح المنكرة ، وتأخد أذنيه أصوات مختلطة مصطخبة تنحدر من عل وتصعد من أسفل ، وتنبعث من يمين وتنبعث من شمال وتلتقى كلها فى الجو ، فكأنما كانت تنعقد فتؤلف من فوق رأس الصبى سحابآ رقيقآ ولكنه متراكم قد غشى بعضه بعضا .
    وكانت هذه الأصوات مختلفة أشد الأختلاف أصوات النساء يختصمن ، وأصوات الرجال يتنادون فى عنف ويتحدثون فى رفق ، وأصوات الأثقال تحط وتعتل ، وأصوات السقاء يتغنى ببيع الماء وصوت الحوذى يزجرحماره أو بغله أو فريه ، وصوت العربة تئز عجلاتها أزا ، وربما شق هذا السحاب من الأصوات نهيق حمار أو صهيل فرس .
    4- متاعب الصعود والنزول من السلم :-
    وكان صاحبنا يمضى كل هذا مشرد النفس قد غفل أو كاد يغفل عن كل أمره حتى إذا بلغ من هذه الطريق مكانآ بعينه سمع أحاديث مختلطة تأتيه من باب قد فتح عن شماله فعرف أنه سينحرف بعد خطوة أو خطوتين إلى الشمال ليصعد فى السلم الذى سينتهى به حيث يقيم .وكان هذا السلم متوسطآ ليس بشديد السعة ولا بشديد الضيق ، قد أتخذ درجة من الحجر ، ولكن كثر التصعيد فيه والهبوط منه ولم يتعهد بالغسيل ولا التنظيف ، فتراكم عليه تراب كثيف ، ثم أنعقد ولزم بعضه بعضا حتي أستخفى الحجر أستخفاء ، وخيل إلى المصعد فيه والهابط منه أنه إنما يتخذ سلمآ من الطين . ومع أن الصبى كان كلفا بإحصاء الدرج كلما صعد فى سلم أو هبط منه ، فقد أقام ما شاء الله له أن يقيم فى ذلك المكان ، وصعد فى ذلك السلم وهبط منه ما شاء الله له أن يصعد أو يهبط ولم يخطر له قط أن يحصى درج هذا السلم .
    5- الطبقة الأولى من بيته :-
    وإنما علم بعد أن أتخذه مرتين أو مرات أنه إذا صعد منه درجات فلابد من أن ينحرف قليلآ نحو الشمال ليمضى فى التصعيد تاركآ عن يمينه فجوة لم يلجها قط ، ولكنه كان يعلم أنها تؤدى إلى الطبقة الأولى من ذلك البناء الذى أقام فيه أعوامآ طوالآ .كان يترك إذن عن يمينه مدخل تلك الطبقة من الطبقات التى لم يكن يسكنها طلاب العلم وإنما كان يسكنها أخلاط من العمال والباعة
    6- الطبقة الثانية من بيته :-
    ويمضى مصعدآ حتى يبلغ الطبقة الثانية ، فلا يكاد يبلغها حتى تجد نفسه المكدودة شئءآ من الراحة يأتيه من الهواء الطلق الذى كان يبيح له التنفس بعد أن كاد يختنق فى ذلك السلم القذر ، وتأتيه من صوت تلك الببغاء التى كانت تصوت من غير إنقطاع ، كأنما تشهد الناس جميعآ على ظلم صاحبها الفارسى الذى سجنها فى ذلك القفص البغيض ، ليبيعها غدآ أو بعد غد لرجل أخر يسجنها فى قفص بغيض ، حتى إذا تخفف منها وقبض ثمنها نقدآ أشترى بدلها خليفة تقوم فى ذلك السجن مقامها وتدعو فيه دعاءها وتنتظر فيه مثل ما كانت تنتظر صاحبتها أن تنقل من يد إلى يد ومن قفص إلى قفص وأن ينتقل معها دعاؤها الحزين الذى يبتهج الناس به من مكان إلى مكان .كان صاحبنا إذا بلغ أعلى السلم أستقبل الهواء الطلق بواجهه ودعاه صةت الببغاء إلى أن ينحرف نحو اليمين فيفعل ويمضى فى طريق ضيقة فيمر أمام بيتين يسكنهما رجلان من فارس أحدهما لا يزال شابآ ، والأخر قد تقدمت به السن .فى أحدهما شراسة وغلظة وأنقباض عن الناس ، وفى الأخر دعة ورقة وتبسيط للناس .
    7_ مكونات بيت الفتى :-
    ثم يبلغ الصبى بيته فيدخل إلى غرفة هى أشبه بالدهليز ، قد تجمعت فيها المرافق المادية للبيت وهى تنتهى به إلى غرفة أخرى واسعة غير مستقيمة قد تجمعت فيها المرافق العقلية للبيت وهى على ذلك (غرفة النوم ، وغرفة الطعام ، وغرفة الحديث ، وغرفة السمر ، وغرفة القراءة ،والدرس ) ، فيها الكتب وفيها بعض أدوات الشاى ، وفيها بعض رقائق الطعام وكان مجلس الصبى من هذه الغرفة معروفآ محدودآ كمجلسه من كل غرفة سكنها وأختلف إليها . كان مجلسه عن شماله إذا دخل الغرفة ، يمضى خطوة أو خطوتين فيجد حصيرى قد بسط على الأرض ألقى عليه بساط قديم .هناك يجلس أثناء النهار وهناك ينام أثناء الليل , تلقى له وسادة يضع عليها رأسه ولحاف يلتف فيه وكان يحاذى مجلسه من الغرفة مجلس أخيه الشيخ وهو ارقى فى مجلسه قليلآ أو كثيرآ حصير قد بسط على الأرض وألقى عليه بساط لا بأس به ثم ألقى على البساط فراش أخر من اللبد ثم ألقى من فوق هذا الفراش حشية طويلة عريضة من القطن ثم بسطت من فوقها ملاءة على هذه الحشية كان يجلس الفتى الشيخ وكان يجلس معه أصفياؤه ولم يكونوا يسندون ظهورهم إلى الحائط كما كان يفعل الصبى ، وأنما كانوا يسندونها إلى وسائد قد رصت على الحشية رصآ فإذا كان الليل أستحال هذا المجلس سريرآ ينام عليه الفتى الشيخ .
    ملخص الفصل :
    ■ بيت غريب يعيش فيه الصبي في حي شعبي بالقاهرة حيث يسمع أصواتاً غريبة ،  ويشم روائح كريهة ، ويسكن في أحد أدوار هذا البيت العمال والباعة ورجلان فارسيان .
     ■الصبي يسكن في بيت فيه غرفة أشبه بالدهليز (رَدْهَة) تجمعت فيها جميع مرافق البيت المادية تنتهي بغرفة أخرى واسعة فيها المرافق العقلية (الكتب) للبيت .
    ■  وكان مجلس الصبي من هذه الغرفة معروفاً محدوداً . كان مجلسه عن شماله إذا دخل الغرفة ، يمضي خطوة أو خطوتين فيجد حصيراً قد بُسِط على الأرض ألقي عليه بساط قديم ولكنه قيّم . هنالك يجلس أثناء النهار ،  وهنالك ينام أثناء الليل ، وكان يحاذي مجلسه من الغرفة مجلس أخيه الشيخ .

    س : كيف كان شعور الصبي وحاله أول ما نزل إلى القاهرة ؟ ولماذا ؟
    جـ : كان الصبي يشعر بالغرابة في بداية حياته بالقاهرة .
    -لأن كل ما حوله غريب من أماكن وبشر وعادات وهو غير ما تعوده في الريف .
    س : وصف الكاتب طريق الفتى من بيته والعقبات التي كان يجدها . وضِّح ذلك  .
    جـ : كان ينحرف (يميل) نحو اليمين إذا عاد من الأزهر ويدخل من باب يفتح أثناء النهار ويغلق في الليل وتفتح وسطه فجوة ضيقة بعد أن تصلي العشاء ، وعندما كان يتجاوز (يتخطى) مكان القهوة ومكانها المسقوف (المغطى) المليئة أرضه بالماء من كثرة ما كان يصب فيه صاحب القهوة مـن الماء ، كان يخرج إلى طريق مكشوفة ولكنها ضيقة قذرة تنبعث منها روائح كريهة للغاية ، ثم بعد هذه العقبة يستقبل الطريق ترافقه الروائح المنكرة (القبيحة) ، وترافق أذنيه أصوات مختلطة مصطخبة (مختلطة ، متصايحة ، عالية).
    س : ما مصدر الصوت الذي كان الصبي يسمعه ؟ ولِمَ لَمْ يسأل عنه ؟
    جـ : مصدره : (قرقرة الشيشة) التي يدخنها بعض تجار الحي في القهوة .
    -لم يسأل عنه استحياء ، وخشية أن يسخر أحد منه ،  ورغبة منه أن يصل إليه وحده .
    س : كانت الأصوات التي تصل إلى سمع الصبي (طه) مختلفة أشد الاختلاف . وضِّح .
    جـ : بالفعل كانت أصوات مختلطة مصطخبة  من نساء يختصمن - ورجال يتنادون في عنف ويتحدثون في رفق -  وأصوات الأثقال تحط وتعتل (تُحمل ) - وصوت السقاء يتغنى ببيع الماء - وصوت الحوذي (العربجي) يزجر حماره أو بغله - وصوت العربة تئز عجلاتها -  وربما شق هذا السحاب من الأصوات نهيق حمار أو صهيل فرس .
    س :  شبّه الكاتب الأصوات المنبعثة بالسحاب المتراكم . فعلامَ يدل تشبيهه ؟
    جـ : كثرة الأصوات واختلاطها وضيقه بها وحيرته منها.
    س : كيف كان حال الصبي في وسط هذه الاجواء ؟
    جـ : كان يمضي بين هذا كله مشرد النفس قد غفل أو كاد يغفل عن كل أمره .
    س : بِمَ وصف الكاتب السلم الذي كان يصعده الصبي في بيته وما فيه . وضِّح ذلك .
    جـ : وصف الكاتب السلم بأنه متوسط السعة وكان لا يغسل ولا ينظف كأنه سلم من طين ولم يخطر له أبداً أن يُحصي درج هذا السلم ، وعنـد صعوده بعض درجاته كان يعلم أنه وصل إلى الطبقة الأولى من ذلك البناء وكان يسكنها أخلاط (أي أنواع) من العمال والباعة . ويمضي مصعداً حتى يبلغ من خلالـه الطبقة الثانية فيجد الهواء النقي كما يسمع الببغاء التي كانت تئن (تتوجع) كأنما تُشْهد الناس على ظلـم صاحبها (الفارسي) الذي سجنها ، ثم ينحرف نحو اليمين فيمر بطريق ضيقة أمام بيتين يـسكنهما رجـلان مـن فارس ، أحدهما لا يزال شاباً فيه غلظة وشراسة (قسوة وسوء خلق) والآخر تقدمت به السن فيه رقة وتبسُّط (انتشار في العلاقات)
    س : ما وجه الشبه بين الصبي والببغاء ؟
    جـ : كلاهما حبيس؛ فالببغاء حبيسة القفص ، والصبي حبيس العمى.
    س : (فلا يكاد يبلغها حتى تجد نفسه المكدودة شيئاً من الراحة).أين يشعر صاحبنا بالراحة وبالاختناق ؟ وما السبب ؟
    جـ : الراحة : في الطبقة الثانية ؛ بسبب الهواء النقي الذي يشمه الذي كان يبيح له التنفس.
    - الاختناق : على السلم ؛ بسبب الروائح المنكرة من السلم القذر.
    س : لماذا لم يخطر ببال الصبي أن يحصي درج السلم الذي يصعده بالرغم من رغبته الدائمة في ذلك ؟
    جـ : نتيجة للروائح الكريهة التي كانت تجعله لا يستطيع التنفس بسهولة وتشغله عن التفكير بأي شيء آخر . أو لأن المهم عنده أن يتلمس درجاته فيتمكن من الصعود أو الهبوط مقدراً درجاته وخطواته حتى لا يقع أو ينحرف عن طريقه.
    س : بِمَ وصف الكاتب بيت الصبي ؟ وما مكانه فيه ؟
    جـ : عندما يدخل بيته يدخل إلى غرفة أشبه بالدهليز (رَدْهَة) ، تجمعت فيها المرافق المادية (الأطعمة والملابس) للبيت وتنتهي إلى غرفة واسعة تجمعت فيها المرافق العقلية (الكتب) , وهي أيضاً غرفة للنوم والطعام والحديث والسمر والقراءة والدرس , وفيها الكتب وأدوات الشاي , ورقائق الطعام . وكان مجلسه معروفاً كمجلسه في كل غرفة سكنها كان مجلسه عن شماله إذا دخل الغرفة ، يمضي فيجد حصيراً ألقي عليه بساط قديم يجلس عليه أثناء النهار ويستحيل (يتحول) إلى سـرير ينام عليـه أثناء الليل تلقى له وسادة يضع عليها رأسه ولحاف يلتف فيه وكان يحاذي(يجاور ،يوازي)مجلسه من الغرفة مجلس أخيه الشيخ وهو مجلس أرقى مـن مجلسه قليلاً أو كثيراً ويتكون من حصير فوقه بساط , وفوقه فراش من اللبد (الصوف), وفوق هذا كله حشية (مرتبة) فوقها ملاءة , ثم وسائد رُصٌت عليها يسند عليها الفتى وأصفياؤه ظهورهم , بينما الصبي كان يسند ظهره إلى الحائط .
    س : ما الذي يمكن ان نستبطه من وصف مجلس الصبي مقارناً بمجلس أخيه الشيخ ؟
    جـ : نستنتج من ذلك أن أخاه يميّز نفسه - وحزن الصبي .

    عرض الأحداث :
    1-الأطوار الثلاثة لحياة الصبى فى الأزهر :-
    الطور الأول : حياة الصبى فى غرفته :-
    وكان هذا الطور احب اطوار حياته تلك إليه وأثرها عنده ، كان أحب إليه من طوره ذاك فى غرفته التى كان يشعر فيها بالغربة شعورآ قاسيآ ، لأنه لا يعرفها ولا يعرف مما أشتملته من الأثاث والمتاع إلا أقلة وأدناه إليه ، فهو لا يعيش فيها كما كان يعيش فى بيته الريفى وفى غرفاته وحجراته تلك التى لم يكن يجهل منها ومما أحتوت عليه شيئا ، وأنما كان يعيش فيها غريبآ عن الناس وغريبآ عن الأشياء وضيقآ حتى بذلك الهواء الثقيل الذى كان يتنفسه فلا يجد فيه راحة ولا حياة ، وإنما كان يجد فيه ألما وثقلآ .
    الطور الثانى :الطريق بين بيته والأزهر :-
    وكان أحب من طوره الثانى فى طريقه تلك بين البيت و الأزهر ، فقد كان فى ذلك الطور مشردآ مفرق النفس مضطرب الخطا ممتلئ القلب بهذه الحيرة المضلة الباهظة التى تفسد على المرء أمره وتجعله يتقدم أمامه لا على غير هدى فى طريقه المادية وحدها _ فقد كان ذلك محتومآ عليه _ بل على غير هدى فى طريقة المعنوية أيضآ ، فقد كان مصروفآ عن نفسه بما يرتفع حوله من الأصوات وما يضطرب حوله من الحركات وقد كان مستخذيآ فى نفسه من أضطراب خطاه وعجزه عن أن يلائم بين مشيته الضالة الحائرة الهادئة ومشية صاحبه المهتدية العارمة العنيفة .
    الطور الثالث : الصبى فى الأزهر :-
    فأما فى طوره الثالث هذا فقد كان يجد راحة وأمنا وطمأنينة وأستقرارآ . كان هذا النسيم الذى يترقرق فى صحن الأزهر حين تصلى الفجر يتلقى وجهه بالتحية فيملأ قلبه أمنآ وأملآ . وما كان يشبه وقع هذا النسيم على جبهته التى كانت تندى بالعرق من سرعة ما يسعى ، إلا بتلك القبلات التى كانت أمه تضعها على جبهته بين حين وحين ، أثناء أقامته فى الريف حين يقرئها أيات من القرآن أو يمتعها بقصة مما قرأ فى الكتاب فى أثناء عبثه فى الكتاب أو حين كان يخرج ضعيفى شاحبآ من خلوته تلك التى كان يتوسل فيها إلى الله ب(عدية يس) ليقضى هذه الحاجات أو تلك من حاجات الأسرة . كانت تلك القبلات تنعش قلبه وتشيع فى نفسه أمنآ وأملآ وحنانآ ، وكان ذلك النسيم الذى كان يتلقاه فى صحن الأزهر يشيع فى نفسه هذا كله ويرده إلى الراحة بعد التعب والهدوء بعد الأضطراب ، وإلى الأبتسام بعد العبوس ومع ذلك فلم يكن يعلم من أمر الأزهر شيئآ ، ولم يكن يعرف مما يحتويه الأزهر شيئآ وأنما كان يكفيه أن تمس قدميه الحافيتين أرض الحصن ، وأن يمس وجهه نسيم هذا الحصن ، وأن يحس الأزهر من حوله نائمآ يريد أن يستيقظ وهادئآ يريد أن ينشط ليعود إلى نفسه وإذا هو يشعر أنه فى وطنه وبين أهله لا يحس غربة ولا يجد ألمآ وأنما هى نفسه تتفتح من جميع أنحائها ، وقلبه يتشوق من جميع أقطاره ليتلقى ، ليتلقى ماذا ؟ ليتلقى شيئآ لم يكن يعرفه ، ولكنه كان يحبه ويدفع إليه دفعآ , طالما سمع أسمه وأراد أن يعرف ما وراء هذا الأسم ، وهو العلم  .
    2- شوقه إلى الغرق فى بحر العلم الذى لا ساحل له :-
    وكان يشعر شعورآ غامضآ ولكنه قوى بأن هذا العلم لا حد له , وبأن الناس قد ينفقون حياتهم كلها ولا يبلغون منه ألا أيسره وكان يريد أن ينفق حياته كلها وأن يبلغ من هذا العلم أكثر ما يستطيع أن يبلغ مهما كان فى نفسه يسيرآ وكان قد سمع من أبيه الشيخ ومن أصحابه الذين كانوا يجالسونه من أهل العلم أن العلم بحر لا ساحل له فلم يأخذ هذا الكلام على أنه تشبيه أو تجوز ، وأنما أخذه على أنه الحق كل الحق .
    وأقبل إلى القاهرة وإلى الأزهر يريد أن يلقى نفسه فى هذا البحر فيشرب منه ما شاء الله له أن يشرب ثم يموت فيه غرقآ و أى موت احب إلى الرجل النبيل من هذا الموت الذى يأتيه من العلم ويأتيه وهو غرق فى العلم وكانت هذه الخواطر كلها تثور فى نفسه الناشئة فجأة ، فتملؤها وتملكها وتنسيها تلك الغرفة الموحشة وتلك الطريق الملتوية ، بل وتنسيها الريف ولذات الريف وتشعرها بأنها لم تكن مخطئة ولا غالية حين كانت تحترق شوقآ إلى الأزهر وضيقآ بالريف .
    3- الأزهر بعد صلاة الفجر وخشوع ودروس علم :-
    وكان الصبى يسعى أمامه مع صاحبه حتى يقطع الصحن ويصعد هذه الدرجة اليسيرة التى يبتدئ بها الأزهر نفسه ، فيمتلئ قلبه خشوعآ وخضوعآ وتمتلئ نفسه أكبارآ وإجلالآ ويخفف الخطو على هذه الحصر المبسوطة البالية التى كانت تنفرج أحيانآ عما تحتها من الأرض كأنها تريد أن تتيح لأقدام الساعين عليها شيئآ من البركة بلمس هذه الأرض المطهرة وكان الصبى يحب الأزهر فى هذه اللحظة حين ينفتل المصلون من صلاة الفجر وينصرفون وفى عيةنهم النعاس ليتحلقوا حول هذا العمود أو ذاك وينتظروا هذا الأستاذ أو ذاك فيسمعون منه درس (الحيث أو درس التفسير أو درس الأصول أ درس التوحيد) .
    كان اأزرفى ذه اللحظة هادئآ لا ينعقد فيه لك الدوى اغريب الى كان يملؤه منذ تطلع الشمس إلى أن تصلى العشاء وإنما كانت تسمع فيه أحاديث يتهامس بها أصحابها وربما سمعت فتى يتلو القرآن فى صوت هادئ معتدل ، وربما مررت إلى جانب مصل لم يدرك الجماعة أو أدركها ولكنه مضى فى التنفل بعد أن أدى الفريضة وربما سمعت أستاذ هنا أو هناك يبدأ درسه بهذا الصوت الفاتر , صوت الذى أستيقظ من نومه فأدى صلاته ولم يطعم بعد شيئآ يبعث فى جسمه النشاط والقوة فهو يقول فى صوت هادئ حلو منكسر بعض الشئ (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، قال المؤلف رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه أمين 000)0
    4- الصبى يوازن بين أصوات الشيوخ بعد الفجر والظهر :-
    والطلاب يسمعون لهذا الصوت فى هدوء وفتور يشبهان هدوء الشيخ وفتوره وما أكثر ما كان الصبى يوازن فى نفسه بين أصوات الشيوخ حين ينطقون بهذه الصيغة فى درس الفجر وأصواتهم حين ينطقون بها فى درس الظهر فأما أصوات الفجر فكانت فاترة حلوة فيها بقية من نوم وأما أصوات الظهر فكانت قوية عنيفة ممتلئة فيها شئ من كسل أيضآ , تصور أمتلاء البطون بما كانت تمتلئ به من صعام الأزهريين فى ذلك الوقت الذى كان الأزهريون يعيشون فيه على الفول والمخلل وما يشبه الفول والمخلل من ألوان الطعام وكان فى أصوات الفجر دعاء للمؤلفين يشبه الأستعطاف ، وكان فى أصوات الظهر هجوم على المؤلفين يوشك أن يكون عدوانآ وكانت هذه الموازنة تعجب الصبى وتثير فى نفسه لذة ومتاعآ .
    5- درس فى الحديث وتشوق لدرس أصول الفقه :-
    وكان يسعى مع صاحبه حتى يرقى هاتين الدرجتين اللتين يبتدئ بهما الأيوان ، وهناك إلى جانب عمود من هذه الأعمدة المباركة قد شد إليه كرسى بسلسلة غليظة يجلسه صاحبه أنتظر هنا فستسمع درسآ فى الحديث ، فإذا فرغت من درسى فسأعود إليك ، وكان درس صاحبه فى أصول الفقه ، وكان أستاذ صاحبه الشيخ راضى رحمه الله وكان الكتاب الذى يدرسه الشيخ راضى كتاب التحرير للكمال بن الهمام وكان الصبى يسمه هذه الألفاظ كلها فيمتلئ لها قلبه رهبآ ورغبآ ومهابة وإجلالآ ( أصول الفقه ) ما عسى أن يكون هذا العلم ؟ (الشيخ راضى ) من عسى أن يكون هذا الشيخ ؟ التحرير ما معنى هذه الكلمة ؟ الكمال بن الهمام !
    ما أعظم هذين الأسمين حقآ أن العلم بحر لا ساحل له والخير كل الخير للرجل الذكى أن يغرق فيه وكان إجلال الصبى لهذا الدرس خاصة يزداد ويعظم من يوم إلى يوم حين كان يسمع أخاه و رفاقه يطالعون الدرس قبل حضوره فيقرءون كلامآ غريبآ ولكنه حلو الموقع فى النفس كان الصبى يسمعه فيتحرق شوقآ إلى أن تتقدم به السن ستة أعوام أو سبعة ليستطيع ان يفهمه أو يحل ألغازه ويفك رموزه ويتصرف فيه كما كان يتصرف فيه أولئك الشبان البارعون ، ويجادل فيه أساتذته كما كان يجادل فيه أولئك الشباب البارعون ، ولكنه الأن مضطر إلى أن يسمع ولا يفهم .
    6- الجملة التى أرهقت تفكير الصبى(الحق هدم الهدم):-
    وما كان أكثر أن يقلب فى نفسه هذه الجملة أو تلك لعله يجد وراءها شيئا فلا يظفر بطائل ، ولا يزيده ذلك إلا إكبارآ للعلم وإجلالآ للعلماء وإصغارآ لنفسه ، وإستعداد للعمل الجد . وقد سمع جملة بعينها يشهد الله أنها أرقته غير ليلة من لياليه ونغصت عليه حياته غير يوم من أيامه ولعلها أن تكون صرفته عن غير درس من دروسه اليسيرة ، فقد كان يفهم دروسه الأولى من غير مشقه ، وكان ذلك يغريه بالأنصراف عن دروس الشيخ إلى التفكير فى بعض ما سمع من أولئك الشبان النجباء وكانت هذه الجملة التى ملأت نفسه وقلبه غريبة فى حقيقة الأمر ، وقعت على أذنه وهو فى أول النوم وأخر اليقظة ، فردته إلى اليقظة ليله كله وهى الحق هدم الهدم ما معنى هذا الكلام ؟ كيف يهدم الهدم ؟ وما عسى أن يكون هذا الهدم ؟ كيف يكون الهدم حقآ؟ وجعلت هذه الجملة تدور فى رأسه كما يدور هذيان الحمى فى رأس المريض حتى صرف عنها ذات يوم بإشكال من إشكالات الكفراوى أقبل عليه ففهمه وجادل فيه وأحس أنه بدأ يشرب من ذلك البحر الذى لا ساحل له وهو بحر العلم .
    7_ الصبى لا يحب العنعنة فى رواية الحديث :-
    وكان الصبى يجلس إلى جانب العمود ، يعبث بتلك السلسلة ، ويسمع للشيخ وهو يلقى دروسه فى الحديث فيفهم عنه فى وضوح وجلاء ، ولا ينكر منه إلا تلك الأسماء التى كانت تسقط على الطلبة يتبع بعضها بعضآ تسبقها كلمة حدثنا وتفصل بينها كلمة عن وكان الصبى لا يفهم هذه الأسماء ولا لتتبعها ولا لهذه العنعنة المملة وكان يتمنى أن تنقطع هذه العنعنة وأن يصل الشيخ إلى الحديث ، فإذا وصل إليه سمعه الصبى ملقيآ إليه نفسه كلها فحفظه وفهمه وأعرض عن تفسير الشيخ ، لأنه كان يذكره ما كان يسمع فى الريف من أمام المسجد ومن ذلك الشيخ الذى كان يعلمه أوليات الفقه .
    8- ضوضاء أصوات الطلاب وشيوخهم :-
    وبينما كان الشيخ يمضى فى دروسه كان الأزهر يستيقظ شيئآ فشيئآ كأنما كانت تنبهه أصوات أولئك الشيوخ الذين كانوا يلقون دروسهم ، وما كان يثور بينهم وبين طلابهم من حوار يبلغ العنف أحيانآ فهؤلاء اطلاب يقبلون وهذه الأصوات ترتفع ،وهذا الدوى ينعقد وهؤلاء الشيوخ تنعقد أصواتهم لتبلغ آذان التلاميذ بل هؤلاء الشيوخ يضطرون أن ينطقوا بهذه الصيغة التى تؤذن بإنتهاء الدرس وهى والله وأعلم لأن الطلاب قد أقبلوا ينتظرون درس الفقه من شيخ غير هذا الشيخ أو من الشيخ نفسه فلابد من أن ينتهى درس الفجر ليبدأ درس الصبح ، هنالك كان يقبل على الصبى صاحبه فيأخذه بيده فى غير كلام ويجذبه فى غير رفق ويمضى إلى مجلس أخر فيضعه فيه كما يضع المتاع وينصرف عنه وقد فهم الصبى أنه قد نقل إلى درس الفقه وانه سيسع هذا الدرس وسيفرغ منه وسينصرف الشيخ ويتفرق الطلاب ويبقى هو فى مكانه لا يتحول عنه حتى يعود اليه صاحبه من سيدنا الحسين حيث كان يسمع درس الفقه الذى كان يلقيه الشيخ بخيت رحمه الله وكان الشيخ بخيت يحب الأطالة فى الدرس وكان طلابه يلحون عليه فى الجدال فلم يكن يقطع درسه حتى يرتفع الضحى .
    9- عودة الصبى مع صاحبه إلى البيت بعد درس الفقه :-
    وهنالك يعود إلى الصبى صاحبه فيأخذه بيده فى غير كلام ويجذبه فى غير رفق ويمضى به حتى يخرجة من الأزهر وحتى يرده إلى طوره الثانى فيقطع به الطريق بين الأزهر والبيت ثم إلى طوره الأول فيلقيه فى مكانه من الغرفة على ذلك البساط القديم الذى ألقى على حصير بال عتيق ومنذ ذلك الوقت يتهيأ الصبى لاستقبال حظه من العذاب .
    ملخص الفصل :
    ■ كان الصبي يشعر بالغربة في غرفته في القاهرة ، وكانت خطواته حائرة مضطربة وهو في طريقه إلى الأزهر  .
    ■ في أروقة الأزهر كان يجد الراحة والأمن والطمأنينة والاستقرار ، وكان النسيم الذي يتنسمه مع صلاة الفجر في الأزهر يذكره بأمه ، ويُشْبه قبلاتها في أثناء إقامته في الريف .
    ■  الأزهر هو مكان العلم العظيم الذي يبحث عنه الصبي ويتمنى أن يجري به السن ستة أعوام أو سبعة ليستطيع أن يفهم العلم وأن يحل ألغازه ويفك رموزه ، ويتصرف فيه كما كان يتصرف فيه أولئك الشبان البارعون (زملاء أخيه) ، ويجادل (يناقش) فيه أساتذته كما كان يجادل فيه أولئك الشباب البارعون .

    س : ما الأطوار الثلاثة التي ذكرها الكاتب لحياة الصبي في الأزهر  ؟
    جـ : الطور الأول: حياته في غرفته وكان يشعر فيه بالغربة ، لجهله بما تحتويه إلا القليل ، فهو يعيش فيها غريباً عن الناس وغريباً عن الأشياء فكانت حياةً لا راحة فيها فليس فيها إلا الألم .
    -  الطور الثاني : حيث اختلاط الأصوات والحركات ، وكان فيه حائراً في مشيته مستخذياً يلائم بين مشيته ومشية صاحبه (أخيه) العارمة العنيفة في الطريق، كما كان في هذا الطور أيضاً مشرداً مضطرباً كله حيرة ، وكان مشغولاً بمـا حولـه .
    -  الطور الثالث : وهو في أروقة الأزهر ، فكان يجد فيه الراحة والأمن والطمأنينة والاستقرار ، وكان النسيم الذي يتنسمه مع صلاة الفجر ويترقرق (ينساب) في الأزهر يذكره بأمه ، ويشبه قبلاتها في أثناء إقامته في الريف ، فكان ينعش قلبه ، ويعيد إليـه الـسرور والابتسام وكان يشعر أنه بين أهله سعيداً ؛ لأنه سيتلقى العلم في أروقة الأزهر وكان يكفيه أن تمس قدميه صحن (ساحة) الأزهر موطن العلم الذي يبحث عنه والعلماء.
    س :  ما أحب أطوار الحياة إلى الصبي ؟ ولماذا ؟
    جـ : طوره الثالث في أروقة الأزهر الشريف ؛ لأنه سيجد فيه العلم الذي يتشوق للقائه .
    س :  بماذا كان الصبي يشعر وهو في غرفته ؟ ولماذا ؟
    جـ : كان يشعر فيها شعوراً قاسياً بالغربة ؛ لأنه لا يعرف الغرفة ولا يعرف مما اشتملته من الأثاث (م أثاثة) والمتاع إلا أقله وأدناه إليه بعكس حاله في بيته الريفي الذي يعرفه ويحفظه .
    س :  لماذا كان الصبي مستخذياً (خجلاناً ، مستحياً) في نفسه في طريقه من البيت إلى الأزهر ؟
    جـ : كان مستخذياً في نفسه من اضطراب خطاه وعجزه من أن يلائم بين مشيته الضالة الحائرة الهادئة ، ومشية صاحبه المهتدية العارمة (الشديدة) العنيفة التي لا تراعي عجزه البصري.
    س : ما الذي كان الصبي يجده في طوره الثالث ؟
    جـ : كان يجد راحة وأمناً وطمأنينة واستقراراً .
    س : ما أثر نسيم الفجر في الأزهر على الفتى ؟ وبماذا كان يشبّهه ؟
    جـ : كان نسيم الفجر في صحن الأزهر يتلقى وجهه بالتحية فيملأ قلبه أمناً وأملاً ويرده إلى الراحة بعد التعب وإلى الهدوء بعد الاضطراب وإلى الابتسام بعد العبوس. وكان يشبّهه بتلك القبلات التي كانت أمه تضعها على جبهته بين حين وحين في أثناء إقامته في الريف حين يقرئها آيات من القرآن أو يمتعها بقصة مما قرأ في الكتب أثناء عبثه في الكُتّاب.
    س : لماذا شبه الصبي النسيم الذي يترقرق في صحن الأزهر بقبلات الأم على جبينه  ؟
    جـ : لأن ذلك النسيم أشبه بتلك القبلات التي كانت تنعش (تنشّط) قلبه وتشيع في نفسه أمناً وأملاً وحناناً كان يرده إلى الراحة بعد التعب .
    س : ما الذي كان يتشوق إليه الصبي وهو في الأزهر ؟
    جـ : كان يتشوق إلي العلم فقد كان يريد أن يبلغ من هذا العلم أكثر ما يستطيع أن يبلغ .
    س : للكاتب رأي في مقولة أبيه وأصحابه (أن العلم بحر لا ساحل له ) . وضِّح ثم بين علامَ تدل ؟
    جـ : بالفعل فلم يأخذ هذا الكلام على أنه تشبيه أو تجوُّز (تزيّد × اعتدال) وإنما أخذه على أنه الحق كل الحق وأقبل إلى القاهرة وإلى الأزهر يريد أن يلقي نفسه في هذا البحر فيشرب منه ما شاء الله له أن يشرب ثم يموت فيه غرقاً . وتدل على أن العلم ضخم ولا نهاية له .
    س : كان تقدير الصبي للأزهر عظيماً . وضِّح سبب ذلك التقدير .
    جـ : بالفعل فقد كان ينظر إليه نظرة إكبار وإجلال؛ لأنه موطن العلم والعلماء .
    س : علل : كان الصبي يحب الأزهر في اللحظة التي ينفتل (ينصرف) المصلون فيها بعد صلاة الفجر .
    جـ : لأن الأزهر في هذه اللحظة هادئ لا ينعقد (يقام) فيه ذلك الدوي (الصوت العالي) الذي كان يملؤه منذ أن تطلع الشمس إلى أن تصلى العشاء وإنما كنت تسمع فيه أحاديث يتهامس بها أصحابها ، وربما سمعت فتى يتلو القرآن في صوت هادئ معتدل ، وربما مررت إلى جانب مصلٍ لم يدرك الجماعة أو أدركها ولكنه مضى في التنفل بعد أن ادى الفريضة ، وربما سمعت أستاذاً هنا أو هناك يبدأ درسه بهذا الصوت الفاتر (الخفيف،الهادئ) صوت الذي استيقظ من نومه فأدى صلاته ولم يطعم (يأكل) بعد شيئاً يبعث في جسمه النشاط والقوة .
    س: وازن الصبي بين أصوات الشيوخ في الفجر وفي الظهر . وضِّح مبيناً أثرها في نفسه .
    جـ : أصوات الفجر كانت فاترة حلوة فيها بقية من نوم ، وفيها دعاء للمؤلفين يشبه الاستعطاف .
        -  أما أصوات الظهر فكانت قوية عنيفة ممتلئة فيها شيء من كسل ، وفيها هجوم على المؤلفين يوشك أن يكون عدواناً .
       - أثرها : كانت تعجبه وتثير في نفسه لذة ومتعة .
    س : ما تأثير درس أصول الفقه الذي يُدرّسه الشيخ راضي لأخيه عليه ؟ ومتى كان يزداد هذا التأثير ؟
    جـ : كانت ألفاظ ذلك الكتاب الذي يُدرِّسه الشيخ راضي كتاب التحرير للكمال بن الهمام لأخيه تجعل قلبه يمتلئ رهباً ورغباً ومهابة وإجلالاً.
     - وكان هذا التأثير يزداد ويعظم من يوم إلى يوم حين كان يسمع أخاه ورفاقه يطالعون الدرس قبل حضوره فيقرءون كلاماً غريباً ولكنه حلو الموقع (التأثير) في النفس .
    س : ماذا تمنى الصبي في ذلك الوقت ؟
    جـ : تمنى أن تتقدم به السن ستة أعوام أو سبعة ليستطيع أن يفهم هذا الكتاب وأن يحل ألغازه ويفك رموزه ، ويتصرف فيه كما كان يتصرف فيه أولئك الشبان البارعون ويجادل (يناقش) فيه أساتذته كما كان يجادل فيه أولئك الشباب البارعون .
    س1 : " وقد سمع جملة بعينها شهد الله أنها أرقته غير ليلة من لياليه ونغصت عليه حياته غير يوم من أيامه .. "  .
     ما الجملة التي أرقت تفكير الصبي ؟ ولمَ ؟ وما الذي صرفه عنها ؟
    جـ : هذه الجملة التي نغصت (كدرت) عليه حياته هي ( والحق هدم الهدم ) جعلته متيقظاً الليل كله ، ما معنى هذا الكـلام ؟ كيـف يكون الهدم ؟ وما عسى أن يكون هذا الهدم ؟ وكيف يكون الهدم حقاً؟ وصرف (انشغل) عنها ذات يوم بمسألة نحوية من مسائل الكفراوي فأقبل عليه وفهمه وحاول فيه وأحس أنه يشرب من ذلك البحر الذي لا ساحل له وهو بحر العلم .
    س : لماذا أنكر الصبي أسلوب العنعنة الذي كان يتبعه الشيوخ في دروس الحديث ؟
    جـ : لأنه ممل ويجعل الشيخ يقطع الحديث وكان يتمنى أن تنقطع هذه العنعنة وأن يصل الشيخ إلى الحديث فإذا وصل إليه سمعه الصبي ملقياً إليه نفسه كلها فحفظه وفهمه.
    س : ما الذي كان يحدث للصبي بعد انتهاء درس الفجر ؟
    جـ : كان يقبل على الصبي صاحبه (أخوه) فيأخذه بيده في غير كلام ويجذبه في غير رفق ، ويمضي إلى مجلس آخر فيضعه فيه كما يضع المتاع وينصرف عنه ، ثم يبقى هو في مكانه لا يتحول عنه حتى يعود إليه صاحبه من سيدنا الحسين حيث كان يسمع درس الفقه الذي كان يلقيه الشيخ بخيت فيأخذه بيده في غير كلام ويجذبه في غير رفق ويمضي به حتى يخرجه من الأزهر .

    عرض الأحداث :
    1- الوحدة مصدر عذاب الصبى :-
    وكانت الوحدة المتصلة مصدر ذلك العذاب فقد كان الصبى يستقر فى مجلسه من الغرفة قبيل العصر بقليل ثم ينصرف عنه أخوه فيذهب إلى غرفى أخرى من غرفات الربع عند أحد أصحابه وكان مجلس الجماعة لا يستقر فى غرفة بعينها من غرفاتهم وأنما هو عند أحدهم إذا أصبحوا وعند ثان منهم إذا أمسوا وعند ثالث منهم إذا تقدم الليل وكان أخو الصبى يتركه فى غرفته بعد درس الظهر ويذهب إلى حيث يلقى أصحابه فى إحدى الغرفات فينفقون وقتآ طويلآ أو قصيرآ فى شئ من الراحة والدعابة والتندر بالشيوخ والطلاب وكانت أصواتهم ترتفع وضحكاتهم تدوى فى الربع تدوية فتبلغ الصبى وهو جاثم فى مكانه فتبتسم لها شفتاه ويحزن لها قلبه لأنه لا يسمع كما كان يسمع فى الضحا م أثارها من فكاهة أو نادرة لأنه لا يستطيع كما كان يستطيع فى الضحا أن يشارك صامتآ بأبتسامة نحيلة ضيقة فى هذا الضحك الغليظ العريض .
    2- القوم يجتمعون حول شاى العصر والصبى يتحسر :-
    وكان الصبى يعلم أن القوم سيجتمعون حول شاى العصر إذا أرضو حاجتهم إلى الراحة والتندر بالشيوخ والزملاء وسيستأنفون حول هذا الشاى حديثآ هادئآ منتظمآ ثم يستعيدون ما يرون أن يستعيدوهمن درس الظهر مجادلين مناظرين ثم يعيدون درس المساء الذى يلقيه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فى كتاب دلائل الإعجاز فى بعض أيام الأسبوع وفى تفسير القرآن الكريم فى بعضها الأخر وسيتحدثون أثناء إعدادهم لهذا الدرس عن الأستاذ الإمام وسيستعدون ما كانوا يسمعون من نوادره وما كانوا يحفظون من رأيه فى الشيوخ ومن رأى الشيوخ فيه وما كانوا يحفظون من أجوبته التى كان يلقيها لبعض السائلين له والمعترضين عليه فيفحمهم ويضحك منهم زملاءهم الطلاب وكان الصبى لهذا كله محبآ وبه كلفآ وإليه مشوقآ ومتحرقآ وربما أحس الصبى فى دخيلة نفسه الحاجة إلى كوب من أكواب الشاى تلك التى تدار هناك فقد كان هو أيضآ قد كلف بالشاى وشعر بالحاجة إلى أن يشربه مصبحآ و ممسيآ وإلى أن يستكمل منه النصاب ولكنه حرم هذا كله فهؤلاء القوم يتندرون ويتناظرون ويدرسون ويشربون الشاى غير بعيد وهو لا يستطيع أن يشارك فى شئ من هذا ولا يستطيع أن يطلب إلى أخيه الإذن له بأن يحضر مجلس هؤلاء الشباب ، ويستمتع بما فيه من لذة العقل والجسم معآ .
    3- الصبى يستحى من أن يسأل أحدآ:-
    لا يستطيع أن يطلب ذلك ، فأبغض شئ إليه أن يطلب إلى أحد شيئآ ، ولو قد طلب ذلك إلى أخيه لرده عنه ردآ رفيقآ أو عنيفآ ولكنه مؤلم له مؤذ لنفسه على كل حال ، فالخير فى ان يملك على نفسه أمرها ويكتم حاجة عقله إلى العلم وحاجة أذنه إلى الحديث ، وحاجة جسمه إلى الشاى ، ويظل قابعآ فى مجلسه مطرقآ مغرقآ فى تفكيره ولكن كيف السبيل إلى ذلك ، وقد ترك أخوه باب الغرفة مفتوحآ إلى أقصى غايته وهذه أصوات القوم تبلغه ، وهذه ضحكاتهم تصل إليه ، وهذه دقات مصمتة تنتهى إليه فتؤذيه بأن صاحب الشاى يحطم الخشب ليوقد النار وكل هذه الأصوات التى تنتهى إليه تثير فى نفسه من الرغبة والرهبة ، ومن الامل و اليأس ما يعنيه ويضنيه ويملأ قلبه بؤسآ وحزنآ ، ويزيد فب بؤسه وحزنه أنه لا يستطيع حتى أن يتحرك من مجلسه وأن يخطو هذه الخطوات القليلة التى تمكنه من أن يبلغ باب الغرفة ويقف أمامه حيث يكون أدنى إلى هذه الأصوات وأجدر أن يسمع ما تتحدث به القوم لقد كان ذلك خليقآ أن يسره ويسليه ولكنه لا يستطيع أن ينتقل من مكانه لا لأنه يجهل الطريق إلى الباب ، فقد كان حفظ هذه الطريق وكان يستطيع أن يقطعها متمهلآ مستأنيآ ولكن لأنه كان يستحى أن يفاجئه أحد المارة فيراه وهو يسعى متمهلآ مضطرب الخطا وكان يشفق أن يفاجئه أخوه الذى كان يلم بالغرفة من حين إلى حين ليأخذ كتابآ أو أداة أو لونأ من ألوان الطعام التى كانت تدخر ليتبلغ بها أثناء الشاى فى غير أوقات الإفطار أو العشاء .
    4- آلام الصبى وحنينه إلى منزله بقريته :-
    وكان كل شئ أهون على الصبى من أن يفجأه أخوه وهو يسعى مضطربآ حائرآ فيسأله ما حطبك ؟ وإلى أين تريد ؟ فكان إذن يرى الخير فى أن يبقى فى مكانه ويؤثر العافية ويردد فى نفسه تلك الحسرات اللاذعة التى كان يجدها ، وحسرات أخرى لم تكن أقل منها لذعآ وإيلامآ ، وحسرات الحنين إلى منزله ذلك فى قريته تلك من قرى الريف ، هناك حين كان يعود من الكتاب وقد أرضى حاجته إلى اللعب فيتبلغ بكسرة من الخبز المجفف مازحآ مع أخواته قاصآ على أمه ما أحب أن يقص عليها من أنباء يومه فى الكتاب فإذا بلغ من ذلك ما أراد خرج من الدار فأغلق الباب وراءه ثم مضى حتى يبلغ جدران البيت الذى كان يقوم امامه فلزمه ماضيآ نحو الجنوب ، حتى إذا بلغ مكانآ بعينه إنحرف إلى يمين ثم مضى أمامه خطوات حتى ينتهى إلى حانوت الشيخ محمد عبد الواحد وأخيه الشاب الحاج محمود فيجلس هناك متحدثآ متندرآ مستمعآ لما كان يقوله المشترون من الرجال والشتريات من النساء من هذه الأحاديث الريفية الساذجة التى تمتع بإختلافها وطرافتها وسذاجتها أيضآ وربما قل الطارئون على الحانوت من المشترين والمشتريات فخلا للصبى أحد صاحبى الحانوت وجعل يتحدث إليه أو يقرأ له فى كتاب من الكتب وربما عدل الصبى عن السعى إلى الحانوت وخرج من داره فجلس على المصطبة الملاصقة لها مطرقآ يسمع حديث أبيه الشيخ مع أصحابه فى مجلسهم ذاك الذى كان يعقدونه منذ تصلى العصر إلى أن يدعوهم مؤذن المغرب إلى العشاء وربما عدل الصبى عن الخروج من داره وخلا إلى رفيق من رفاقه فى الكتاب قد أقبل إليه ومعه هذا الكتاب أو ذاك من كتب الوعظ وهذه القصة أو تلك من قصص المغازى فجعل يقرأ له حتى يدعوه غروب الشمس إلى العشاء هنالك لم يكن الصبى يشعر بالوحدة ولم يكن يضطر إلى السكون ولم يكن يجد ألم الجوع ولم يكن يجد ألم الحرمان ولم يكن يتحرق إلى كوب من أكواب الشاى .
    5- صوت الأذان يستدعى الذكريات للصبى :-
    كانت كل هذه الحسرات تضطرب فى نفس الصبى أشد الضطراب ، وهو ساكن أشد السكون وربما صرفه عنها لحظة صوت المؤذن حين كان يدعو إلى صلاة العصر فى جامع بيبرس ولكنه كان صوتآ منكرآ أشد النكر فكان يذكر الصبى بصوت المؤذن فى بلده ولم يكن خيرآ من هذا الصوت ولكنه كثيرآ ما أتاح للصبى ألوانآ من اللهو واللعب فكم صعد المنارة مع المؤذن وكم أذن مكانه وكم شاركه فى هذا الدعاء الذى يدعى به بعد الأذان ولكنه هنا فى هذه الغرفة لا يستحب هذا الصوت ولا يستطيع أن يشارك فى الأذان ولا يعرف حتى من أين يأتى هذا الصوت وهو لم يدخل قط مسجد بيبرس وهو لا يعرف الطريق إلى مئذنته وهو لم يبل درج هذه المئذنة ولم يعرف أتستقم للمصعد وتتسع له أم تلتوى به وتضيق عليه كشأن مئذنته فى الريف لا يعرف شيئآ من ذلك ولا يل إلى أن يعرف منه شيئآ وأنما هو السكون والسكون المتصل الطويل يا للألم إن العلم ليكلف طلابه أهوالآ ثقالآ .
    6- الصبى ونوم العصر :-
    وكان هذا السكون يطول على الصبى فيجهده وربما أخذته إغفاءة وهو جالس فى مكانه وربما أشتدت عليه هذه الأغفاءة فأضطرته إلى أن يستلقى ويسلم نفسه للنوم وكان يسمع من أمه أن نوم العصر بغيض مؤذ للأجسام والنفوس ولكن كيف السبيل إلى أن يرد عن نفسه هذا النوم البغيض ولكنه يهب فذعآ مذعورآ فقد سمع صوتآ يدعوه بهذه الكلمة التى رنت فى آذانه أعوامآ مولانا أنام أنت ؟
    7- أخوه يقدم له الطعام ويأكله إرضاء له :-
    يهب فزعآ مذعورآ لأن أخاه أقبل ينظر إليه ويسأله عن شأنه ويحمل إليه عشاءه وكان عشاءه لذيذآ حقآ فقد كان يتألف من رغيف وقطع من الجبن الذى يسمى الجبن الرومى أو قطعة من الحلاوة الطحينية وكان هذا عشاءه فى أثناء الأسبوع فكان أخوه يضع ذلك أمامه ويودعه منصرفآ عنه ليذهب إلى الأزهر فيحضر درس الأستاذ الإمام وكان الصبى يقبل على طعامه راغبآ عنه حينآ وراغبآ فيه حينآ أخر ولكنه كان يستنفذه على كل حال كان يبيح لنفسه الإقلال من الطعام إذا أكل مع أخيه ولم يكن أخوه يكلمه فى ذلك أو يسأله عنه فأما إذا خلا إلى طعامه فقد كان يأتى عليه كله حتى لو رغب عنه أو ضاق به مخافة أن يبقى منه شيئآ ويعود أخوه ويرى ذلك خلفه فيظن به المرض أو يظن به الحزن وكان أبغض شئ إليه أن يثير فى نفس أخيه همآ أو قلقآ.
    8- للظلمة وحشة وصوت يؤذية :-
    كان إذان على طعامه حتى إذا فرغ منه عاد إلى سكونه وجموده فى ركنه الذي أض إليه ، وقد أخذ النهار ينصرم وأخذت الشمس تنحدر إلى مغربها وأخذ يتسرب إلى نفسه شعور شاحب هادئ حزن ثم يدعو مؤذن المغرب إلى الصلاة فيعرف الصبى أن الليل قد أقبل ويقدر فى نفسه أن الظلمة قد أخذت تكتنفه ويقدر فى نفسه أن لو كان معه فى الغرفة بعض المبصرين لأضئ المصباح ليطرد هذه الظلمة المتكاثفة  ولكنه وحيد لا حاجة له إلى المصباح فيما يظن المبصرون ، وأن كان ليراهم مخطئين فى هذا الظن فقد كان ذلك الوقت يفرق تفرقة غامضة بين الظلمة والنور وكان يجد فى المصباح إذا أضئ جليسآ له ومؤنسآ وكان يجد فى الظلمة وحشة لعلها كانت تأتيه من عقله الناشئ ومن حسه المضطرب والغريب أنه كان يجد للظلمة صوتآ يبلغ أذنيه صوتآ متصلآ يشبه طنين البعوض لولا أنه غليظ ممتلئ وكان هذا الصوت يبلغ أذنيه فيؤذيهما ويبلغ قلبه فيملؤه روعآ وإذا هو مضطر إلى أن يغير جلسته فيجلش القرفصاء ويعتمد بمرفقيه على ركبتيه ويخفى رأسه بين يديه ، ويسلم نفسه لهذا الصوت الذى يأخذه من كل مكان ومع أن سكون العصر كان كثيرآ ما يضطره إلى النوم فقد كان سكون العشية يضطره إلى اليقظة التى لا تشبهها يقظة .
    9- أصوات أخرى تفزع الصبى ويخاف أن يتحدث عنها :-
    وكان ينتهى إلى أن يألف صوت الظلمة ويطمئن إليها ، ولكن فى الغرفة أصواتآ أخرى كانت تفزعه وتروعه أصوات مختلفة فقد كانت هذه الغرفة من غرفات الأوقاف ومعنى ذلك أنها كانت قديمة ، قد طال عليها العهد وبعد بها الأمد وكثرت فى جدرانها الشقوق وعمرت هذه الشقوق طوائف من الحشرات وغيرها من صغار الحيوان كأنما وكلت بالصبى إذا أقبل الليل عليه وهو قابع وحده فى ذلك الركن من أركان الغرفة فهى تبعث من الأصوات الضئيلة وتأتى من الحركات الخفيفة السريعة حينآ والبظيئة حينآ أخر ما يملأ قلب الصبى هلعآ ورعبآ ، فإذا أقبل أخوه وحده أو مع أصحابه فأضئ المصباح أنقطعت هذه الأصوات والحركات كأنها لم تكن وكان الصبى من أجل هذا ومن أجل أشياء أخرى غير هذا لا يجرؤ على أن يذكر من أمر هذه الأصوات والحركات شيئآ وأيسر ما كان يخاف أن تحدث ببغض ذلك أن يسفه رأيه وأن تظن بعقله وبشجاعته الظنون فكان يؤثر العافية ويكظم خوفه من الحشرات وصغار الحيوان .
    10- أمل الصبى عند عودة أخيه :-
    وهذا المؤذن يدعو إلى صلاة العشاء فيثير فى نفس الصبى أملآ قصيرآ يتبعه يأس طويل فقد أنتهى درس الأستاذ الإمام وسيقبل أخو الصبى بعد قليل فيضئ المصباح ويضع محفظته فى مكانها ويأخذ ما يحتاج إليه من كتاب أو أداة أو طعام ويشيع فى الغرفة فى أثناء ذلك شيئآ من الأنس ويطرد من الغرفة فى أثناء ذلك تلك الوحدة المنكرة ولكنه سيلقى إلى الصبى تلك الوسادة التى سيضع عليها رأسه وذلك اللحاف الذى سيلتف فيه لينام وسيشهد التفافه فى لحافه ووضع رأسه على وسادته ثم يطفئ المصباح وينصرف ويغلق الباب من ورائه ويدير فيه المفتاح ويمضى وهو يظن أنه أسلم الصبى إلى النوم وإن كان لم يسلمه إلا إلى أرق متصل مخيف وسيعود بعد ساعتين أو بعد ساعات وقد طعم وشرب الشاى وناظر أصحابه وأعد معهم ما شاء الله أن يعد من درس للغد فيدير المفتاح ثم يضئ المصباح وهو يظن أن الصبى مغرق فى نوم هادئ لذيذ وما ذاق الصبى فى حقيقة الأمر نومآ وأنما أنتظر جزعآ وفزعآ عودة أخيه .
    11- الصبى يأمن وينام بعد نوم أخيه :-
    فإذا أستلقى أخوه على فراشه بعد أن أطفأ مصباحه وأخذ تنفسه المضطرب أو المنتظم يدل على أنه نام فقد أخذ الصبى يحس الأمن والدعة ويدير فى نفسه خواطر الأمن الوادع وتفكير الهادئ المطمئن وهناك تتصل يقظته الآمنة بنومه اللذيذ دون أن يشعر بهذا الأتصال
    ملخص الفصل :
    ■ وكان الصبي يعلم أن القوم (الأخ ورفاقه من طلبة العلم) سيجتمعون حول شاي العصر إذا أرضوا حاجتهم إلي الراحة والتندر بالشيوخ والزملاء وسوف يستعيدون ما يرون من درس الظهر متجادلين متناظرين ، ثم يعيدون درس المساء .
    ■ كل هذا والصبي متشوق ومحب لهذا العلم ، وربما أحس في دخيلة نفسه الحاجة إلى كوب من الشاي ولكنه لا يستطيع طلب ذلك الكوب ؛ لأن رد أخيه حتى لو كان رفيقاً أو عنيفاً فذلك سيؤذي نفسه .
    ■ ثم كان الصبي يزداد حسرة لتذكره تلك الذكريات في قريته مع أهله وكذلك وهو عائد من الكتاب بعدما لعب وهو يمزح مع أخواته ، وما كان يقصه على أمه من أحداث يومه .
    ■ أخوه يضع له طعامه وينصرف ؛ ليحضر درس الأستاذ الإمام ، فكان يقبل الصبي على طعامه راغباً عنه ، أو راغباً فيه ، وكان يأتي عليه كله مخافة أن يعود أخوه ويراه لم يأكل فيظن به المرض أو يظن به الحزن .

    س: ما سر عذاب الصبي في غرفته ؟
    جـ : لأنه يبقى وحيداً لانصراف أخيه عنه ، وذهابه إلى أحد غرف أصحابه في الربع (المنزل ج رباع ، ربوع ، أربع) حيث يقضون الوقت في الراحة والتندر بالشيوخ والطلاب ، فتبتسم شفتاه ويحزن قلبه ؛ لأنه لا يستطيع أن يشارك معهم كما كان يستطيع في الضحى أن يشارك .
    س : لماذا فضّل الصبي الوحدة في غرفته بالرغم من رغبته في مجالسة الجماعة ؟
    جـ : لأنه لا يستطيع أن يطلب من أخيه الإذن له بذلك فهو يكتم حاجة عقله إلى العلم وحاجة أذنه إلى الحديث وحاجة جسمه إلى الشاي وهو لا يستطيع أن يطلب ذلك ؛ لأن رد أخيه حتى لو كان رفيقاً أو عنيفاً فذلك سيؤذي نفسه ( وهذا يدل على رهافة حس طه حسين).
    س : فيمَ كانت الجماعة تقضي وقتها في المنزل ؟ وعلامَ كانوا يجتمعون حول شاي العصر ؟
    جـ : كانوا يقضون وقتاً طويلاً أو قصيراً في شيء من الراحة والدعابة والتندر بالشيوخ والطلاب وكانت أصواتهم ترتفع وضحكاتهم تدوي في الربع .
    - وكانوا يجتمعون حول شاي العصر وما فيه من حديث هادئ منتظم ثم يستعيدون دروس الظهر ودرس المساء الذي يلقيه الأستاذ (محمد عبده) في كتاب (دلائل الإعجاز ) للجرجاني  ، أو في تفسير القرآن الكريم .
    س : علل : شدة حزن الصبي عندما كان يسمع أصوات مجلس الجماعة ترتفع وضحكاتهم تدوي ؟
    جـ : لأن كل هذه الأصوات التي تنتهي إليه تثير في نفسه من الرغبة والرهبة ، ومن الأمل واليأس ، ما يعنيه أو يضنيه (يتعبه ، يؤلمه) ، ويملأ قلبه بؤساً وحزناً ويزيد في بؤسه وحزنه أنه لا يستطيع حتى أن يتحرك من مجلسه .
    س : لمَ كان الصبي يزداد حسرة وهو يحن إلى منزله في قريته ؟ وما ذكرياته هناك ؟
    جـ : كان يزداد حسرة لتذكره تلك الذكريات في قريته مع أهله وكذلك وهو عائد من الكتاب بعدما لعب وهو يمزح مع أخواته ، وما كان يقصه على أمه من أحداث يومه ، وكذلك حانوت ( الشيخ محمد عبد الواحد ) وأخوه الشاب ( الحاج محمود ) فيجلس متحدثاً متندراً لما كان يسمعه من المشترين من الرجال والنساء من أحاديث ريفية ساذجة ، وكذلك المصطبة الملاحقة للدار وهو يسمع حديث أبيه مع أصحابه ، وأحياناً كان يخلو إلى رفيق من رفاقه وهما يتدارسان كتاباً من كتب الوعظ أو قصة من قصص المغازي ، ففي القرية لم يكن يشعر يوماً بالوحدة ، ولم يكن يضطر إلى السكون ، ولم يكن يجد ألم الجوع ، ولم يكن يجد ألم الحرمان ، ولم يكن يتحرق إلى كوب من أكواب الشاي .
    س : ما أثر صوت مؤذن صلاة العصر على الصبي وهو سارح في تلك الذكريات ؟
    جـ : كان صوت المؤذن في جامع بيبرس يصرفه عن حسرته مع ذكرياته ، وكان ينكر صوت المؤذن أشد النكر ، فقد كان يذكره بصوت المؤذن في بلدته ، وكان مؤذن قريته يسمح له باللعب واللهو فكم صعد المنارة مع المؤذن وكم أذّن مكانه وشاركه في الدعاء بعد الآذان ، وكان الصبي بعد ذلك يسكن سكوناً متصلاً لشدة ألمه وحسرته على تلك الذكريات .
    س : كان الصبي حريصاً أشد الحرص ألا يثير في نفس أخيه هماً أو قلقاً . وضِّح ذلك .
    جـ : كان أخوه يضع له طعامه وينصرف ؛ ليحضر درس الأستاذ الإمام ، فكان الصبي يقبل على طعامه راغباً عنه ، أو راغباً فيه ، وكان يأتي عليه كله مخافة وكراهية أن يعود أخوه ويراه لم يأكل فيظن به المرض أو يظن به الحزن .
    س : كيف كان يعرف الصبي إقبال الليل ؟ وما شعوره فيه ؟
    جـ : كان يعرف إقبال الليل من أذان المغرب .
    - وكان يحس بظلمة متكاثفة فهو وحيد وكان يجد في الظلمة وحشة ، وكان يجد للظلمة صوتاً متصلاً يشبه صوت البعوض يبلغ أذنيه فيؤذيهما .
    س : ما الأصوات الأخرى التي كانت تفزع الصبي ؟ ولمَ كان يخاف أن يتحدث عنها ؟
    جـ : أصوات الحشرات التي في الشقوق وغيرها من صغار الحيوانات وكان لا يجرؤ أن يذكر ذلك لأحد مخافة أن يسفه رأيه (يُستخف به) وأن يظن بعقله وشجاعته الظنون .
    س : كان أذان العشاء يمثل انفراجه للوحشة التي يعيشها الصبي . وضح ذلك .
    جـ : لأن أخاه يعود من درس الأستاذ الإمام فيضيء المصباح ويشيع في الغرفة شيئاً من الأنس ثم يخرج للقاء أصحابه ، وبعد ساعتين يعود ثانية بعدما طعم وشرب الشاي وناظر أصحابه ، فيحس الصبي بالأمان ويذهب عنه الخوف وينام نوماً لذيذاً .


    عرض الأحداث:
    1- الصوتان الغريبان :-
    ولكن صوتين غريبين يردانه فجأة إلى يقظة فزعة أحدهما صوت عصا غليظة تضرب الأرض ضربآ عنيفآ ، والأخر صوت إنسانى متهدج مضطرب لا هو بالغليظ ولا هو بالنحيف ، يذكر الله ويسبح بحمده ويمد ذكره وتسبيحه مدآ طويلآ غريبآ وقدسكن كل شئ وشمل هدوء الليل كل شئ وجعل هذا الصوت الإنسانى ينبعث بين حين وحين متهدجآ مرجعآ تقطعه ضربات العصا على الأرض وهو يبدو قويآ فيذيع فى الليل الهادئ شيئآ يشبه الأضطراب ثم يدنو قليلآ قليلآ حتى يكاد يبلغ غرفة الصبى ثم ينحرف ويضعف شيئآ فشيئآ حتى يكاد ينقطع ثم يبدو مرة أخرى قويآ متصلآ بعد أن يهبط صاحبه سلم الربع وأستقامت له طريقه فى الحارة ، ثم يبعد شيئآ فشيئآ حتى ينقطع .
    2- خوف الصبى من الصوتين وجهله مصدرهما :-
    وقد إرتاع الصبى لهذا الصوت أو لهذين الصوتين حين سمعهما لأول مرة ، وأتعب نفسه فى التفكير فيهما والبحث عن مصدرهما ، ولكنه لم يظفر من بحثه بطائل إلا أنه فقد النوم واتم ليله مؤرقآمروعآ حتى رد الأمن والطمأنينة إلى قلبه صوت المؤذن وهو ينادى الصلاة خير من النوم فهب الصبى مترفقآ وهب أخوه عنيفآ عجلآ ، وما هى إلا دقائق حتى كانا يهبطان السلم ويجدان فى طريقهما إلى الأزهر ليسمع أحدهما درس الأصول وليسمع الأخر درس الحديث ، وجعل هذان الصوتان يوقظان الصبى كل يوم فى أول الثلث الأخير من الليل وجعل الصبى يراع لهذين الصوتين ولا يعرف لهما مصدر ولا يجرؤ على أن يسأل أخاه أو غير أخيه عنهما ، حتى كانت ليلة الجمعة فأيقظه الصوتان وروعاه كدأبهما فى كل ليلة ورد المؤذن إليه الأمن والهدوء كدأبه فى كل صباح ولكن الصبى لم يهب مترفقآ ولكن أخاه لم يهب عجلآ عنيفآ ، فليس فى فجر الجمعة ولا فى صباحه دروس وليس الشيخ الفتى ولا الشيخ الصبى فى حاجة إلى أن يقطعا نومهما فأما نوم الصبى فقد قطعه الصوتان وأما أخوه فلم يسمعهما هذه الليلة كما لم يسمعهما من قبل ولبث الصبى فى فراشه ضيقآ بهذا السكون ، عاجزآ عن الحركة مشفقآ أن يوقظ أخاه حتى صليت الفجر وإنتشر ضوء الشمس ونفذت أشعتها إلى الغرفة فاترة ، وإذا الصبى يسمع هذين الصوتين مرة أخرى ولكنه يسمعهما هادئين رفيقين فأنما العصا فتداعب الأرض مداعبة يسيرة ، وأما الصوت فيصافح الهواء مصافحة حلوة لا تخلو من فتور .
    3- الصبى يعجب للصوتين :-
    والصبى يعجب لهذين الصوتين اللذين يعنفان حين يسكن الليل وينام الناس ويحسن الرفق واللذين يرقان ويلطفان حين ينشط النهار ويستيقظ الناس ويتاح للأصوات أن ترتفع وأن تأخذ حظها من الحرية والنشاط وهو مع ذلك مضطر إلى سكونه مشفق أن تحرك أن ينبه أخاه حتى تشتد حرارة الشمس على رأسه فيستوى جالسآ فى أناة ويتزحزح من مكانه فى رفق حتى يبلغ مكانآ لا تلتحفه حرارة الشمس فيستقر فيه دون أن يتحرك .
    4- طرق على الباب بعصا غليظة وصوت ينادى :-
    وهو بهذا الضيق وله كاره وعليه مكره وأخوه مغرق فى نومه لا يفيق ولكن الباب يطرق طرقآ عنيفآ وصوت من ورائه ينادى مرتفعآ ساخطآ صاخبآ (هلم يا هؤلاء أفيقوا إلى متى تنامون أعوذ بالله من الكفر أعوذ بالله من الضلال طلاب علم ينامون حتى يرتفع الضحى لا يؤدون الصلاة لوقتها هلم يا هؤلاء أعوذ بالله من الكفر أعوذ بالله من الضلال) ويد هذا الصوت تقرع الباب وعصاه تقرع الأرض ومن حوله ضحكات ترافقه وقد هب الشيخ الفتى لأول نبأة ولكنه ظل فى مكانه ساكنآ ثابتآ يغرق فى ضحك مكتوم مكظوم كأنه يستحب ما يسمع ويستزيد منه ويريد أن يتصل .
    5- الصبى يعرف مصدر الصوتين :-
    فأما الصبى فقد عرف هذا الصوت وهذه العصا أنه الصوت الذى كان يضطرب فى الليل وأنها العصا لاتى كانت تقرع الأرض لتوقظها من نومها ، من عسى أن يكون هذا الرجل ؟ ما عسى أن تكون عصاه ؟ وما هذا الضحك الذى يتبعه ؟ وقد نهض القتى جاهرآ بضحكه فسعى إلى الباب ففتحه وإندفع منه هذا الرجل صاخبآ (أعوذ بالله من الكفر أععوذ بالله من الضلال اللهم إصرف عنا الأذى أعذنا من الشيطان الرجيم أمسلمون أنتم أم كفارأتتعلمون على شيوخكم هدى أم ضلالآ)وقد إندفع معه الشباب من أصحاب الفتى وهم يجارون بالضحك ويغرقون فيه وهناك عرف الصبى هذا الرجل وهو عمى الحاج على .
    6- صفات الحاج على :-
    وكان عمى الحاج على رجل شيخآ قد تقدمت به السن حتى جاوز السبعين ولكنه أحتفظ بقوته كلها أحتفظ بقوة عقله فهو ماكر ماهر ظريف لبق وأحتفظ بقوة جسمه فهو معتدل القامة شديد النشاط متين البنية ، عنيف إذا تحرك عنيف إذا تكلم لا يعرف الهمس ولا يحسن أن يخافت صوته وأنما هو صائح دائمآ وكان عمى الحاج على فيما مضى من دهره كما علم الصبى فيما بعد رجلآ تاجرآ قد ولد فى الإسكندرية وشب فيها وأحتفظ بما لأهل الإسكندرية من قوة وعنف ومن صراحة وظرف وكان يتجر فى الأرز ومن أجل ذلك سمى عمى على الرزاز فلما تقدمت به السن أعرض عن التجارة أو أعرضت التجارة عنه وكان له بيت فى القاهرة يغل عليه شيئآ من مال فأتخذ لنفسه غرفة فى هذا الربع الذى لم يكن يسكنه من غير المجاورين ألا هذا الرجل وهذان الفارسيان اللذان ذكرا فى بعض هذا الحديث .
    7- علاقة الحاج على بشباب الأزهر :-
    ولم يكد عمى الحاج على يستقر عى غرفته فى أخر الربع عن شمال إذا صعدت السلم حتى لفت إليه هؤلاء الشباب من طلاب العلم أضحكهم وراقوه فإتصلت بينه وبينهم مودة حلوة متينة نقية فيها ظرف كثير وفيها رقة تحفظ يؤثران فى القلوب حقآ فق كان الشيخ يعرف من هؤلاء الشباب حبهم للعلم وجدهم فى الدرس وصدوفهم عن العبث كان يحب منهم ذلك ، فإذا بدأ أسبوع العمل لم يسع إليهم ولم يعرض لهم حتى كأنه لا يعرفهم إلا أن يسعوا هم إليه أو يلحوا هم عليه فى أن يشهد معهم طعامآ أو يشاركهم فى الشاى فإذا كان يوم الجمعة لم يمهلهم ولم يخل بينهم وبين أنفسهم وإنما إنتظر بهم حتى يتقدم النهار وحتى يعلم أنهم قد أرضوا نفوسهم من النوم والراحة ، هناك يخرج من غرفته فيبدأ بأقرب غرف الشباب إليه فيوقظ صاحبها فى هذا العنف والضجيج اللذين رأيتهما ثم ينتقل إلى الغرفة التى تليها ومعغه صاحبه الذى أيقظع ، وما يزال كذلك حتى يبلغ غرفة أخى الصبى فيوقظه على هذا النحو والشباب من حوله فرحون مرحون يستقبلون يوم راحتهم مبتهجين قد إبتسموا للحياة وإبتسمت لهم الحياة وإلى هذا الشيخ كان تدبير طعامهم ولهوهم البرئ فى يوم الجمعة فهو الذى يقترح عليهم طعام الإفطار وقد يعده لهم فى غرفته أو فى غرفة أحدهم وهو الذى يقترح عليهم طعام العشاء ويشير عليهم بما ينبغى أن يصنعوا لإعداده ويشرف على هذا الإعداد ويقوم منه ما يمكن أن يعوج يصحبهم صباحهم ثم يفارقهم ليصلى الجمعة ثم يصحبهم حتى إذا وجبت العصر فارقهم لحظة ثم يعود إليهم فيشاركهم فى عشائهم وفيما يكون بعده من الشاى ثم إذا وجبت المغرب أمهم فى صلاتهم فإذا وجبت العشاء فارقهم ليعدو الدروس التى سيسمعونها من الغد .
    8- الحاج على يتكلف التقوى ويتتبع عورات الناس ويغتابهم:-
    كان عمى الحاج على يتكلف التقوى والورع ويظهر ذلك إلى أقصى ما يظهر الناس تكلفهم وتصنعهم يبدأ بهذه الغزوة التى يجددها فى الثلث الأخير من كل ليلة فيخرج من غرفته صاخبآ صائحآ بذكر الله والتسبيح بحمده ضاربآ الأرض بعصاه حتى يبلغ مسجد سيدنا الحسين فيقرأ فيه ورد السحر ويشهد فيه صلاة الفجر ثم يرجعى متمتمآ مهمهمآ مداعبآ الأرض بعصاه فيستريح فى غرفته فإذا وجبت الصلوات أداها فى غرفته وقد فتح بابها وجهر بالقراءة والتكبير ليسمعه أهل الربع جميعآ فإذا خلا إلى أصحابه الشباب على طعامهم أو على شايهم أو فى بعض سمرهم فهو أسرع الناس خاطرآ وأظرفهم نكتو وأطولهم لسانآ وأخفهم دعابة وأشدهم تتبعآ لعيوب الناس وأعظمهم أغراقآ فى الغيبة لا يتحفظ فى لفظ ولا يتحرج من كلمة نابية ولا يتردد فى أن يجرى على لسانه المنطلق دائمآ بصوته المرتفع دائمآ أشنع الألفاظ وأشدها إغراقآ فى البذاء وأدلها على أبشع المعانى وأقبح الصور .
    9- توطد الحب بين الحاج على والشباب :-
    وكان أولئك الشباب يحبونه على ذلك أو يحبونه من أجل ذلك أوقل أنهم يحبون ذلك منه أشد الحب ويكلفون به أعظم الكلف كأنه كان يخرجهم من أطوارهم ويريحهم من جد العلم والدرس ويفتح لهم باب من اللهو ما كانوا يستطيعون أن يلجوه حين كانوا يخلون إلى أنفسهم بل ما كانوا يستطيعون أن يسمعون يلجوه حين كانوا يلتفون حول هذا الرجل الشيخ وحين كان يصب عليهم هراءه هذا بغير حساب كانوا يسمعون ذلك منه ويضحكون له حتى إن جنوبهم تكاد تنقد من الضحك ولكنهم على ذلك لم يكونوا يعيدون على الشيخ كلمة من كلماته البذيئة أو لفظآ من ألفاظة النابية فكأنما كانوا يرون شيئآ يعجبهم ويلهيهم فيستمتعون به من بعيد ولا يبيحون لأنفسهم أو لا تبيح لهم ظروفهم أن يدنوا منه أو يسعوا إليه ولم يكن ذلك يدل على أقل من هذه الصفة الغريبة الخليقة بالإعجاب والرحمة معآ والتى كان هؤلاء الشباب يمتزون بها عن كثير من زملائهم وأقرانهم وهى كظم الشهوات وأخذ النفس بألوان من الشدة تمكنهم من المضى فى الدرس على وجهه وتردهم عن التورط فيما كان كثير من زملائهم يتورطون فيه من هذا العبث السهل الذى يفل الجد ويفتر العزائم ويفسد الأخلاق وكان الصبى يسمع لهذا كله فيفهم ويحفظ ويعجب ويسأل نفسه كيف يجتمع طلاب العلم وما يحتاج إليه من الجد مع هذا التهالك على الهزل والتساقط على السخف فى غير تحفظ ولا أحتياط وكان يعاهد نفسه على انه إذا شب وبلغ طور هؤلاء الطلاب الذين يكبرهم ويقدر ذكاءهم فلن يسير سيرتهم ولن يتهالك على العبث كما يتهالكون عليه .
    10- يوم الجمعة يوم البطون :-
    وكان يوم الجمعة يوم البطون فى حياة هؤلاء الطلاب وفى حياة صديقهم الشيخ فكانوا إذا أصبحوا أجتمعوا إلى إفطار غزير دسم صاخب قوامه الفول والبيض ثم الشاى وما كانوا قد أدخروا من هذه الفطائر الجافة التى كانت أمهتهم يزودونهم بها ويضعن فى صنعها وفى تعبئتها قلوبهن الساذجة وما يملؤها من حب وعطف وحنان وكم ذكر الصبى جهد أبيه فى كسب ما لم يكن بد من كسبه من النقد لتستطيع أمه أن تهيئ لأبنيها زادهما وجد أمه فى صنع هذا الزاد وتكلفها الفرح وهى تهيئه وحزنها الصامت وهى تعبئه ودموعها المنهمرة وهى تسلم أحماله إلى من سيذهب به إلى القطار كم ذكر الصبى هذا كله حين كان هؤلاء الشباب يلتهمون هذا الزاد التهامآ يغمسونه فى الشاى كما كان يوصيهم الشيخ أو يقضمونه بأسنانهم وأضرسهم قضمآ ثم يعبون فى أكواب الشاى ليبلوه فى أفواههم حلوقهم بعد ذلك كان سهلآ هنيآ وهم فى أثناء ذلك يتضاحكون من دعابة الشيخ وفكاهته لا يذكرون آباءهم وما جدوا ، ولا يذكرون أمهاتهم وما أحتملن من كد ، وما ذرفن من دموع وكان الشيخ وأصدقاؤه الطلاب يدبرون عشاءهم أثناء الدورة الثانية والثالثة من الشاى الذى يقبلون عليه بعد الإفطار .
    11- إشتراك الجميع فى طعام يعده طاه ماهر :-
    وكان تدبيرهم لهذا العشاء يقبض نفس الصبى ويملؤها خجلآ فلما فكر فيه بعد أن تقدمت به السن وجد لذكراه حنانآ وإعجابآ كانوا يتداولون ويتشاورون ولم يكن ميدان مداولاتهم ومشاوراتهم واسعآ ولا عريضآ وإنما هما لونان من ألوان الطعام لم يشذوا عنهما قط فإما البطاطس فى خليط من اللحم والطماطم والبصل وإما القرع فى خليط من اللحم والطماطم والبصل وشئ من الحمص وكانوا يتفقون على أقدار ما يشترون من هذه الأصناف كلها ثم يقدرون ثمن ما سيشترون ثم يخرج كل من حصته من هذا الثمن إلا الشيخ فكانوا يخرجونه من هذه الغرامة فإذا أجتمع لهم ما يحتاجون من نقد ذهب أحدهم فإشترى لهم طعامهم فإذا عاد بما أشترى نهض أحدهم إلى موقده فأوقد فيه ناره من هذا الفحم البلدى حتى إذا صفت جذوته أقبل على الطعام يهيئه وأصحابه ينظرون إليه مجتمعين أو متفرقين والشيخ يلقى إليه نصائحه بين حين وحين حتى إذا تم له من تهيئة الطعام ما أراد خلى بينه وبين هذه النار تنضجه على مهل وإجتمع القوم إلى صديقهم الشيخ يعبثون أو إلى أنفسهم يدرسون وطاهيهم يخطف نفسه بين حين وحين ليلقى نظرة على هذا الطعام مخافة على أن يحترق أو يفسد وليلقى عليع بين حين وحين قطرات من ماء وكلهم يتنسم هذه الرائحة الذكية التى تبعثها النار من هذا الطعام كلما تقدمت به الأنضاج .
    12- رائحة الطعام يتلذذ بها غير القادرين :-
    وكلهم يجد فى تنسم هذه الرائحة مقدمة لذيذة لعشاء لذيذ ومن المحقق أنهم لم يكونوا وحدهم يصطنعون هذا الطعام وأنما كان لهم فى الربع زملاء يصطنعون مثلهم ويشمون رائحته مثلهم ومن المحقق لهم أيضآ أنه قد كان لهم فى الربع زملاء تقصر بهم ذات أيديهم عن أن يصنعوا لأنفسهم من الطعام مثل ما كانوا يصنعون ومن المحقق أيضآ أن هؤلاء العمال الذين كانوا يسكنون الدور السفلى من الربع كانت تقصر بهم ذات أيديهم عن أن يطرفوا أنفسهم وأبناءهم ونساءهم بمثل هذا الطعام وأكبر الظن أنهم كانوا يجدون من نسائهم لهذا الحرمان هماآ ثقيلآ وأكبر الظن أن هؤلاء المحرومين من الطلاب والعمال كانوا يجدون فى هذه الروائح التى كانت تملأ الربع يوم الجمعة لذة مؤلمة أو أمآ لذيذآ .
    13- الحاج على يقسم الطعام بالعدل ويمنع التعدى  أى أحد :-
    كنت نار ها افحم البلدى بطيئة طويلة البال فان ذلك يطيل لذة قوم ويمد ألم آخرين حتى إذا صليت العصر ودعيت الس إلى الغوب كان اطعام قد نضج فأتمع القوم حول مائدتهم وأقلوا على طعمهم فى نشاط يشبه الجد الهازل أو الهزل الجاد كلهم حريص على أن يستوفى حظه من هذا الطعام وكلهم يراقب أصحابه أن يسبقوه أو ينشطوا عليه وكلهم يستحى أن يظهر هذا الحرص أو يبدى هذه المراقبة ولكن الشيخ معهم فصراحته تغنى عن صراحتهم ةهرله يفضح ما أسروا من الجد فهو يراقبهم جميعآ وهو يقسم الطعام بينهم بالعدل وهو يصد أحدهم أن هم أن يجور على أصحابه ولا يخفى ذلك ولا يتحفظ فيه وأنما يعلنه صاخبآ كعادته منبهآ هذا على أنه يخدع نفسه عن قطعة البطاطس بقطع اللحم ومنبهآ ذاك إلى أنه يسرف على نفسه وعلى أصحابه بما يغترف فى لقمته الغليظة من جامد الطعام أو سائله مرسلآ ألفاظة إلى هذا وذاك فى هزل يخف على أسماعهم ويحسن موقعه من نفوسهم ويضحكهم ولا يؤذيهم فيما ينبغى لهم من الحياء .
    14- الصبى مضطرب فى معركة الطعام الضاحكة :-
    والصبى فى أثناء هذه المعركة الضاحكة خجل وجل مضطرب النفس مضطرب حركة اليد لا يحسن أن يقتطع لقمته ولا يحسن أن يضعها فى الطبق ولا يحسن أن يبلغ بها فمه ويخيل إلى نفسه أن عيون القوم جميعآ تلحظه وأن عين الشيخ خاصة ترمقه فى خفيه فيزيده هذا إضطرابآ وإذا يده ترتعش إذا بالمرق يتقاطر على ثوبه وهو يعرف ذلك ويألم له ولا يحسن أن يتقيه وأكبر الظن بل المحقق أن القوم كانوا فى شغل عنه بأنفسهم وآية ذلك أنهم يفكرون فيه ويلتفتون إليه ويحرضونه على أن يأكل ويقدمونإليه ما لا تبلغه يده فلا يزيده ذلك إلا إضطرابآ وإختلاطآ وإذا هذه المعركة الضاحكة مصدر أللم لنفسه وحزن لقلبه وكانت خليقة أن تسره وأن تضحكه ولكنها إن آذته فى أثناء الطعام فقد كانت تسره وتسليه وتضطره أحيانآ إلى أن يضحك وحده إذا خلا إلى نفسه بعد أن يشرب الجماعة شايهم وينتقلون إلى حيث يدرسون أو يسمرون وكذلك أنفق هؤلاء الشباب أعوامآ طويلة مع هذا الشيخ وشب الصبى فى هذه الحياة الضاحكة بفضل الشيخ على على الرغم من ما كان يعترض طريقة من أسباب الألم والأسى .
    15-  تفرق الجماعة فى أطراف المدينة :-
    ثم تفرقت الجماعة وذهب كل هؤلاء الشباب لوجهه وتركوا الربع وإستقروا فى أطراف متباعدة من المدينة وقلت زيارتهم للشيخ ثم أنقطعت ثم تناسوه ثم نسوه .
    16- وفاة الحاج على رحمه الله :-
    وفى ذات يوم حمل إلى أفراد هذه الجماعة نعى الشيخ فحزنت قلوبهم ولم يصل الحزن إلى عيونهم ولم يرسم آيات على وجوههم وأخبر المخبر الصادق أن أخر كلمة نطق بها الشيخ وهو يحتضر إنما كانت دعاءه لأخى الصبى فرحم الله عمى الحاج عليآ لقد كان ظله على الصبى ثقيلآ وإن ذكره ليملأ قلبه بعد ذلك رحمة وحنانآ .
    ملخص الفصل :
    ■ صوتان مفزعان أصابا الصبي بالحيرة الأوّل (ج الأُوَل) صوت عصا غليظة تضرب الأرض . والآخر صوت إنساني متهدج مضطرب وهو صوت الحاج علي الرزاز الذي يتولى عملية إيقاظ الطلاب قبيل الفجر للصلاة وحضور دروس الفجر من أجل ذلك كان الطلاب يتجاهلون الرجل ليلة الجمعة وهو يقول : (هلم يا هؤلاء أفيقوا إلى متى تنامون ! أعوذ بالله من الكفر والضلال).
     ■ولقد اتصلت المودة بينه وبين الطلاب فهو يعرف للطلاب حبهم للعلم وصدوفهم (انصرافهم) عن العبث لذا لم يكن يسعى إليهم إلا في يوم الجمعة حيث يتولى تدبير الطعام لهم .
    ■ ولقد كان هذا الرجل يتكلّف (يتصنّع) التقوى والورع فإذا خلا إلى أصحابه فهو أسرع الناس خاطراً وأظرفهم نكتة وأطولهم لساناً وأخفهم دعابة وأشدهم تشنيعاً بالناس (فضح لهم ، تشويه لسمعتهم). من أجل ذلك أحبه الطلاب ، ولكن الصبي يعترض على ذلك ويرفض أن يسير سيرتهم في التهالك (التهافت ، الارتماء) على العبث وبخاصة يوم الجمعة حينما يعد الرجل لهم الطعام الذي كان يثير في سكان الربع لذة مؤلم وألماً لذيذاً.
    ■ ولقد كان الصبي في معركة الطعام خجلاً وجلاً بسبب عاهته من أجل ذلك كانت معركة الطعام تمثل مصدر ألم لنفس الصبي وتسلية له في نفس الوقت.
    ■ وفي يوم حُمِل إلى الطلاب نعي الشيخ فحزنت قلوبهم ولم يبلغ الحزن عيونهم ويذكر الصبي أن الرجل في احتضاره كان يدعو للفتى الشيخ .

    س : ما الصوتان الغريبان اللذان كانا يفزعان الصبي ؟
    جـ : أحدهما صوت عصا غليظة تضرب الأرض ضرباً عنيفًا ، والآخر صوت إنساني .
    س : صف هذا الصوت الإنساني .
    جـ : صوت متهدج (متقطع) مضطرب لا هو بالغليظ ولا هو بالنحيف يذكر الله ويسبح بحمده ويمد ذكره وتسبيحه مداً طويلاً غريباً. وهو يبدو قوياً فيذيع في الليل الهادئ شيئاً يشبه الاضطراب .
    س : ما تأثير هذا الصوت على الصبي في البداية ؟
    جـ : ارتاع وفزع الصبي لهذا الصوت أو لهذين الصوتين حين سمعهما لأول مرة وأتعب نفسه في التفكير فيهما والبحث عن مصدرهما ولكنه لم يظفر من بحثه بطائل (فائدة).
    س : متى كانت الطمأنينة تعود إليه ؟
    جـ : الذي يرد الأمن والطمأنينة إلى قلبه صوت المؤذن وهو ينادي : الصلاة خير من النوم .
    س : كيف عرف الصبي مصدر الصوتين ؟ ومن صاحبهما ؟
    جـ : عرفهما الصبي عندما تقدم الفتى (أخو الصبي) من الباب ليفتح فإذا بهذا الرجل وهو (الحاج علي) الذي كان يحدث هذه الجلبة ليفيق الشباب المجاورون .
    س : اذكر أهم سمات الحاج علي مبيناً أهم التناقضات فيها .
    جـ : كان شيخاً تقدمت به السن حتى تجاوز السبعين ، ولكنه كان محتفظاً بقوته وبقوة عقله ، فهو ماكر ، ماهر ، ظريف ، لبق ، وهو معتدل القامة شديد النشاط عنيف إذا تحرك عنيف إذا تكلم ، طويل اللسان متتبعاً لعيوب الناس عالي الصوت دائماً ، وكان تاجرًا في الأرز ولذلك سمي بالحاج (علي الرزاز) وعندما تقدمت به السن أعرض عن (ابتعد) التجارة أو أعرضت التجارة عنه ، وكان قد اتخذ غرفة في الربع ولم يكن يسكن في هذا الربع من غير المجاورين إلا الشيخ والفارسيان .
    س : ما العلاقة التي كانت تربط بين ( الحاج علي ) وشباب الأزهر ( المجاورين ) ؟
    جـ : كان بينه وبين هؤلاء الشباب مودة متينة فيها ظرف ورقة وتحفظ يؤثران في القلوب حقاً ، كما كان يشاركهم في تدبير طعامهم ولهوهم البريء في يوم الجمعة فقط .
    س : علل : حرص (الحاج علي) على عدم الالتقاء بالطلاب إلا يوم الجمعة .
    جـ : حتى يتركهم لعلمهم ودرسهم فلا يشغلهم .
    س : ما الذي جعل الصبي يصف الحاج علي بتكلف (تصنّع) التقوى والورع ؟
    جـ : كان الصبي يرى أن " الحاج علي " يتكلف التقوى والورع ويصطنع ذلك اصطناعاً ويبدأ ذلك بغزوته تلك في الثلـث الأخير من كل ليلة صائحاً يذكر الله ويسبحه ضارباً بعصاه حتى يبلغ مـسجد الحـسين ليـشهد صـلاة الفجـر ، وكـان يؤدي الصلوات كلها ويفتح باب غرفته جاهراً بالقراءة والتكبير ليسمعه أهل الربع جميعاً ، فإذا خلا إلى أصحابه فهو أسرعهم خاطراً وأطولهم لساناً وأظرفهم نكتة لا يتحفظ (يحتاط) في لفظ ولا يتحرج من كلمة نابية (قبيحة ، خارجة ) ، ولا يتردد في أن يجري على لسانه المنطلق دائماً وبصوته المرتفع دائماً أشنع (أقبح) الألفاظ ، وأشدها إغراقاً في البذاءة (الفُحش ، القُبح) وأدلها على أبشع المعاني وأقبح الصور.
    س : لماذا كان الشباب يحبون الحاج علي ويقبلون عليه ؟
    جـ : لأنه كان يريحهم مـن جـد العلم والدرس ، ومع ذلك كانوا ملتزمين لا يبيحون لأنفسهم أن يقولوا ذلك الذي يقوله من قول فاحش أو يعيدوه فهم يختلفون عن غيرهم بكظم الشهوات (الرغبات) وأخذ النفس بألوان الشدة (أي تهذيبها).
    س : ما وجه العجب في طلاب العلم كما يرى الصبي ؟             
    جـ : كان الصبي لا يعجبه هؤلاء الطلاب فكيف يجمعون بين طلب العلم وبين الهزل (المزاح × الجد) والتـساقط (الارتماء ، التهافت) ونوى ألا يكون سلوكه مثل هؤلاء الطلاب في المستقبل .
    س : " وكانت نار الفحم البلدي بطيئة طويلة البال ، فكان ذلك يطيل لذة قوم ويمد ألم آخرين .. "
      فسّر العبارة في ضوء فهمك لما يريد الكاتب .
    جـ : بالفعل فهي مصدر لذة لمن يقومون بإعداد الطعام وتجهيزه فهم يمنون أنفسهم بعشاء لذيذ ستستقبله بطونهم الجائعة .
    - وهي مصدر ألم لهؤلاء العمال الذين كانوا يسكنون الدور السفلي من الربع وكانت تقصر بهم ذات أيديهم (أي يمنعهم فقرهم) عن أن يمتّعوا أنفسهم وأبناءهم ونساءهم بمثل هذا الطعام .
    س : كيف كانت معركة الأكل الضاحكة مصدر ألم لنفس الصبي ؟
    جـ : لأن الصبي خجل وجل مضطرب النفس مضطرب حركة اليد لا يحسن أن يقتطع لقمته ولا يحسن أن يغمسها في الطبق ، ولا يحسن أن يبلغ بها فمه . يخيل إلى نفسه أن عيون القوم جميعاً تلحظه وأن عين الشيخ خاصة ترمقه في خفية ، فيزيده هذا اضطراباً وإذا يده ترتعش ، وإذا بالمرق يتقاطر على ثوبه وهو يعرف ذلك ويألم له ولا يحسن أن يتقيه (يتحاشاه ، يتجنبه).
    س : اختلفت أحاسيس الصبي نحو معركة الطعام الضاحكة بين حزن وفرح بعد ذلك . اشرح ذلك .
    جـ : بالفعل فهي إذا كانت قد آذته في أثناء الطعام فقد كانت تسره وتسليه وتضطره أحياناً إلى أن يضحك وحده إذا خلا إلى نفسه بعد أن يشرب الجماعة شايهم وينتقلوا إلى حيث يدرسون أو يسمرون (السمر : الحديث ليلاً) .
    س : كيف تفرقت هذه الجماعة ؟ وما مصير الحاج علي بعد ذلك ؟ وما شعور الصبي تجاهه؟
    جـ : ذهب كل من هؤلاء لوجهة وتركوا الربع ، واستقروا في أطراف متباعدة من المدينة ، وقلت زيارتهم للشيخ ، ثم انقطعت ، ثم تناسوه ، ثم نسوه ، وفي ذات يوم حمل إلى أفراد الجماعة نعي الشيخ ، فحزنت قلوبهم ولم يبلغ الحزن عيونهم ولم يرسم آياته على وجوههم وأخبر المخبر الصادق أن آخر كلمة نطق بها الشيخ وهو يحتضر إنما كانت دعاءه لأخي الصبي ، ورغم أن ظله كان ثقيلاً على الصبي إلا أن ذكره كان يملأ قلبه بعد ذلك رحمة وحناناً

    عرض الأحداث :
    1- الغرفة مصدر الفكاهة وسمات ساكنها :-
    وغرفة أخرى من غرفات هذا الربع كانت تقوم فيه غير بعيد عن شمالك إذا صعدت السلم وكانت مصدر فكاهة ودعابة ولهو لهؤلاء الشباب أيضآ كان يسكنها شاب لعله أكبر من هؤلاء الطلاب شيئآ وقد كان أقدم منهم عهدآ بالأزهر ولكنه كان من جيلهم ومن طبقتهم على كل حال كان نحيف الصوت يكفى أن تسمعه لتضحك من صوته وكان ضيق العقل لم يأذن الله للون من ألوان العلم أن يستقر فى رأسه لأن عقله كان محدودآ محصورآ وكان قصير الذكاء لم يأذن الله لذهنه أن ينفذ إلى أقرب شئ وراء ما كان يقرأ فى الكتب على إختلافها وكان مع ذلك واسع الثقة بنفسه بعيد الطمع فى مستقبله مطمئنآ فى غير تكلف إلا أنه كان كأصحابه هؤلاء الذين يعيش معهم ويشاركهم فى أكثر ما يختلون إليه من الدروس كان يشهد معهم (درس الفقه و درس البلاغة ودرس الأستاذ الأمام )، ولم يكن يخف لدرس الأصول لأن هذا الدرس كان يقتضيه أن يخرج من غرفته مع الفجر وقد كان لراحته مؤثرآ وبها ضنينآ وكان يشارك أصحابه فى بعض مطالعتهم وكان يشاركهم بنوع خاص فى هذه المطالعات التى لا تتصل بالدروس المنظمة ولا بالكتب التى كان الشيوخ يقرءونها .
    2- الشبان يضيقون بكتب الأزهر :-
    فقد كان هؤلاء الشباب يضيقون بكتب الأزهر ضيقآ شديدآ ، يتأثرون فى ذلك برأى
    أستاذهم الإمام فى كتب الأزهر ومناهجه وكانوا يسمعون من الأستاذ الإمام حين يشهدوندرسه أو حين يزورونه فى داره أسماء كتب قيمة فى (النحو والبلاغة والتحيد أيضآ)، وكانت هذه الكتب القيمة بغيضة إلى شيوخ الأزهر لأنهم لم يألفوها وربما أشتد بغضهم لهذه الكتب لأن الأستاذ الإمام قد دل عليها ونوه بها ، وكان الذين ينافسون الأستاذ الإمام من الشيوخ الأعلام يحاولون أن يذهبوا مذهبه فيدلون طلابهم على كتب قيمه أخرى لا تقرأ فى الأزهر ، لأن الأزهريين لم يألفو قراءتها وكان هؤلاء الطلاب لا يكادون يسمعون أسم كتاب من هذه الكتب حتى يسرعوا إلى شرائه إن وسعهم ذلك ، وربما كلفوا أنفسهم فى هذا الشراء جهدآ ثقيلآ وحرمانآ شديدآ ، فإن أعياهم ذلك أستعاروه من مكتبة الأزهر ، ثم أقبلو عليه ينظرون فيه ثم إتفقوا على أن يقرءوه جماعة ويتعاونوا على فهمه.
    3- الشبان يفخرون على تلمذتهم على الإمام :-
    كان يدفعهم إلى ذلك حبهم الصادق للأستاذ الإمام ورغبتهم الصادقة فى العلم والأطلاع وربما دفعهم إلى ذلك مع هذه العاطفة شئ من غرور الشاب فقد كانوا يفتخرون بتلمذتهم للأستاذ الإمام وللشيخ بخيت وللشيخ أبى خطوة وللشيخ راضى كانوا يملأون أفواههم بأنهم تلاميذ هؤلاء الأئمة و بأنهم من تلاميذهم المقربين والمصطفين ، ولم يكونوا يكتنفون بالأختلاف إلى هؤلاء الشيوخ فى دروسهم وأنما كانوا يزورون شيوخهم فى بيوتهم ، وربما يشاركوهم فى بعض البحث وربما أستمعوا منهم دروسآ خاصة فى يوم الخميس بعد أن تصلى الظهر أو بعد أن أن تصلى العشاء وكانوا لا يكرهون أن يعرف عنهم زملاؤهم هذا كله وأن يتحدث عنهم زملاؤهم بأنهم يقرءون فيما بينهم هذا الكتاب أو ذالك فى هذا الفن أو ذاك وكانوا قد وصلوا بهذا كله إلى شئ ظاهر من الأمتياز بين زملائهم حتى عرفوا فى الأزهر كله بأنهم أنجب طلاب الأزهر وأخلقهم بالمستقبل السعيد فكان من المعقول أن يسعى إليهم الأوساط من زملائهم يلتمسون التفوق فى الأتصال بهم والأمتياز حين يعرف الناس أنهم من أصدقائهم وأصفيائهم ويلتمسون بذلك الوسيلة إلى أن يتصلوا بكبار الشيوخ وأئمة الأساتذة وكان صاحبنا من هؤلاء الطلاب الأوساط قد أتصل بهذه الجماعة من الطلاب ليقول زملاؤه أنه واحد منهم وليستطيع بحكم هذه الصلة أن يصحبهم فى زياراتهم للأستاذ الإمام والشيخ بخيت .
    4- ساكن الغرفة يتقرب إلى الطلاب النجباء من شبان الأزهر :-
    وكان غرور الشباب يحبب إلى هذه الجماعة هذا النوع من الأمتياز ، ويهون عليها قبول هؤلاء الطفيليين فى العلم من ضعاف الطلاب وأوساطهم ثم يتيح لهم بعد ذلك حين يخلون إلى أنفسهم وقد أحصوا على هؤلاء الزملاء جهالتهم وسخافاتهم وأغلاطهم الشنيعة ، أن يعيدوا ذلك ويضحكوا منه ملء أفواههم وملء جنوبهم أيضآ وأكبر الظن أن صاحبهم هذا قد عرفهم فى بعض الدروس فمازال يدنى نفسه منهم حتى أتصل بهم فزارهم ثم أعجبه ربعهم وأعجبه جواره لهم فى هذا الربع فأتخذ فيه غرفة وأصبح واحدآ منهم يشاركهم فى الدرس ويشاركهم فى الشاى ويشاركهم فى الزيارات ويشاركهم فى بعض الشهرة ، ولكن الله لم يفتح عليه قط بأن يشاركهم فى العلم والفهم وفى الأبانة والأيضاح ويظهر أنه كان أوسع منهم يدا وأكثر منهم مالآ ، أو قل أنه كان يقتر على نفسه إذا خلا إليهم فإذا أتصل بأصحابه يسر على نسه وأنفق عن سعة وربما كان يشعر بحاجتهم إلى النقد لشراء كتاب أو لأداء دين عاجل أو لإرضاء حاجة ملحة فبقدم إليهم من ذلك ما يريدون رفيقآ بهم متلطفآ لهم وكانوا يعرفون ذلك له ويحمدونه ، ولكنهم لم يكونوا يطيقون جهله وربما لم يملكوا أنفسهم فضحكوا من هذا الجهل بمحضر منه وردوا عليه سخفه ردآ عنيفآ ، فيه كثير من الأزدراء القاسى ولكنه كان يقبل ذلك راضيآ ، ويتلقاه باسمآ وما أظن أنهم قد عرفوا فى وجهه الغضب يومآ على كثرة ما كانوا يثقلون عليه بالغض منه والأزدراء له
    5- ساكن الغرفة وعلم العروض :-
    وكان أجمل ما يتندرون به عليه علمه بالعروض أو جهله بالعروض فكلاهما سواء كان يطاع معهم كتابآ فى النحو فلا يكاد يعرض لهم شاهد وما أكثر ما تعرض الشواهد فى كتب النحو حتى يكون أسرعهم إلى رد هذا الشاهد إلى بحر من أبحر العروض ولم يكن يختلف قط وإنما كان البسيط دائمآ وقد يكون البيت من الطويل وقد يكون من الوافر وقد يكون من أى بحر من أبحر الشعر ولكنه كان بسيط دائمآ والغريب أنه لم يكتفى بالإسراع إلى إعلان أن هذا البيت من البسيط وإنما كان يسرع فيأخذ فى تقطيع البيت يرده إلى البسيط مهما كان وزنه فيقطع على الجماعة وزنهم فيقطع على الجماعة درسهم ويدفعهم إلى بحر من الضحك لا يكاد يعرف له حد وقد كثر منه ذلك حتى أغرى به أصحابه وأطمعهم فيه فكانوا كلما عرضوا بيت من الشعر أظهروا العجز عن رده إلى وزنه حتى ينبئهم صاحبهم بأنه من البسيط فإذا فعل أظهرو العجز عن تقطيع البيت حتى يأخذ صاحبهم فى تقطيعه فيرده إلى البسيط وهناك يستأنفون الضحك ، ويستأنفون الأستهزاء ويلقاهم هو بهذه الأبتسامة الراضية التى لا تعرف الغضب ولا الغيظ .
    6- ساكن الغرفة يترك الطلاب النجباء ويحاول أن يشارك الصبى :-
    وقد أقام هذا الشاب على ذلك مع أصدقائه أعوامآ طوالآ لم يغاضبهم ولم يغاضبوه وكأنه أحس أخر الأمر أنه ليس من تلك الحلبة وأه لا يستطيع أن يجرى فى ذلك الميدان فأخذ يتخلف قليلآ قليلآ عن الدروس ويتكلف التعلات والمعاذير ، لا يشارك القوم فى مطالعتهم ويكتفى بالمشاركة فى الشاى والطعام أحيانآ والزيارات دائمآ وقد تقدمت السن بالصبى فى أثناء ذلك وتقدم به الدرس أيضآ وإذا هذا الشاب يظهر العطفعليه والقدر له وإذا هو يعرض عليه أن يقرأ معه الكتب ويعرض عن مشاركة أقرانه وأنداده إلى مشاركة هذا الغلام الناشئ ، ويأخذ الغلام فى أن يقرأ معه كتبآ فى الحيث وأخرى فى المنطق وأخر فى التوحيد ولكنه لا يجد عنده غناء وليس الغلام فارغآ للضحك منه والتندر به وليس هو قادرآ على ذلك أو راغبآ فيه وإذا هو يحتال فى التخلص منه والمضى لشأنه .
    7- إرتقاء حياة الشاب وأتصاله بطبقة الأثرياء مع أصحابه :-
    وإذا هذا الرجل يترك العلم أو يتركه العلم ولكنه يظل محسوبآ على الأزهر طالبآ فيه مشاركآ لأصحابه فى الناحية الأجتماعية من حياتهم وقد أرتقت حياتهم بعض الشئ رقاها ذكاؤهم وتفوقهم ورضا الأستاذ الإمام عنهم وتقربه إياهم ، وإذاهم يتصلون بفلان وفلان من أبناء الأسر الغنية الثرية الذين كانوا يطلبون العلم فى الأزهر إذ ذاك وإذا الزيارات تتصل بينهم وبين هؤلاء الشبان الأغنياء الأثرياء وصاحبهم معهم يزور ويزور وترتقى حياته الأجتماعية كما أرتقت حياة أصحابه لا يحسون هذا الأرتقاء ولا يكادون يشعرون به وهم إذن لا يتحدثون به ولا يتمدحون بزيارتهم لتلك البيوت الممتازة وجلوسهم إلى أصحابهم النابهين وإنما يرون ذلك شيئآ طبيعيآ مألوفآ فأما صاحبهم هو الذى يراه المجد كل المجد ويستمد منه الغبطة كل الغبطة والغرور كل الغرور ويستغله لبعض منافعه المادية أحيانآ ويتحدث به دائمآ إلى من أراد أن يسمع له ومن لم يرد وتمضى الأيام ويتفرق هؤلاء الطلاب وقد أخذ كل واحد منهم طريقة فى الحياة ، ولكن هذا الرجل لا ينساهم ولا يسمح لهم أن ينسوه قد عز عن تتبعهم فى العلم فليتتبعهم فى غيره مما تمتلئ به الحياة ، يزورهم أن لم يزوروه ويلقاهم فى زيارتهم عند فلان أو فلان من أصحاب المنزلة والثراء .
    8- ساكن الغرفة يتصل بالإمام وبخصومة وبالمحافظة :-
    وقد خرج الأستاذ الإمام من الأزهر بسبب تلك المنحة السياسية المعروفة وإذا صاحبنا متصل بالأستاذ وشيعته متصل بخصوم الأستاذ الإمام وشيعتهم أيضآ وق أخذ الأزهر يضطرب وخلت السياسة فى ذلك الأضطراب وأختصمت فيه السلطتان وإذا صاحبا يتصل بالمضربين مشاركآ لهم فى الأضراب ويتصل بخصوم الأضراب مفشيآ لهم أسرار المضربين ويتكشف الأمر ذات يوم عن أن صاحبنا كان متصل بالمحافظة فتقطع الصلة قطعآ عنيفآ بينه وبين أصدقائه ويرد عن البيوت التى كان يسعى إليها ويستقبل فيها ويقبع فى غرفته فى تلك الربع قد خسر الناس جميعآ ولم يخسره أحد وقد قصرت به همته عن درجة الأزهر فهو ينفق حياته الخاملة وحيدآ يائسآ محتملآ خموله على مضض مكتسبآ عيشه فى مشقة .
    9- موت صاحب الغرفة :-
    ثم ينبئ المنبئ ذات يوم بانه قد مات ،أمات من علة؟ أمات من حسرة؟ أم مات من الحرمان؟ ولكن أصدقائه يسمعون النعى فلا يأخذهم وجوم ولا يمس نفوسهم حزن وإنما يتلون هذه الآية الكريمة التى نتلوها دائمآ حين ينعى إلينا الناس (إنا لله وإنا إليه راجعون)
    ملخص الفصل :
    ■ غرفة أخرى يسكنها شاب من أقدم الطلاب بالأزهر كان نحيف الصوت ضيق العقل ، لا يستقر في رأسه علم ، كان يشهد دروس الفقه والبلاغة ولكنه لا يذهب إلى درس الأصول ؛ لأن موعده كان مع الفجر وهو لا يستيقظ مبكراً لحبه للنوم والراحة.
    ■ هؤلاء الطلاب سكان الربع كان يضيقون بكتب الأزهر التي فيها جمود ويعتمدون على كتب يختارها لهم الإمام محمد عبده ، وكان مشايخ الأزهر المتفتحون يقلدونه فيوجهون الطلاب إلى كتب قيمة أخرى .
    ■ وكان الطلاب يفخرون بتلمذتهم على يد الإمام محمد عبده والشيخ بخيت وأبي خطوة والشيخ راضي سواء في المساجد أو حتى في بيوتهم .
    ■ من صفات هذا الشاب أنه كان بخيلاً على نفسه وحينما يقترب من الطلاب كان يجود ويقدم لهم المال رفيقاً بهم متلطفاً لهم وكانوا يحمدونه على ذلك ولكنهم كانوا لا يطيقون جهله ويسخرون منه بشدة دون أن يغضب منهم .
    ■ وعلى جهله كان يدعي العلم بالعروض وهو لا يعرف من بحور الشعر سوى بحر البسيط وكان يظهر العطف على الصبي ويقرأ له أحياناً .
    ■ اتصل الشاب بأبناء الأسر الثرية نتيجة لعلاقته بالشباب يزورهم ويزورونه ولكنه ابتعد عن العلم أو قل ابتعد عنه العلم .
     ■ وفي أثناء محنة الإمام أبدى موقفاً غريباً فهو متصل بالأستاذ وشيعته ، ومتصل بخصومه وينقل أسرار أعوان الإمام واكتشف أمره ، فكرهه الجميع واعتزلوه ومات فجأة دون أن يحزن أحد على وفاته.

    س : ما صفات الشاب الذي كان يسكن بجوار طه حسين في الربع ؟
    جـ : كان من جيل ومن طبقة هؤلاء الطلاب ، وكان نحيف الصوت ، ضيق العقل قليل الذكاء ، ومع ذلك كان واسع الثقة بنفسه طامع أشد الطمع في مستقبله .
    س : كيف كان ذلك الشاب يتقرب إليهم ؟
    جـ : كان يتقرب إليهم تارة بأن يشهد معهم درس الفقه ودرس البلاغة ودرس الأستاذ الإمام ، وتارة يتردد عليهم ثم اتخذ مسكناً بجوارهم ، وكان يكثر من زيارتهم ويمدهم بالمال إذا احتاجوا إلى شراء الكتب أو أداء دين عاجل أو قضاء حاجة ملحة.
    س : علل : تكاسُل الشاب عن حضور درس الأصول .
    جـ : لأن هذا الدرس كان يقتضيه أن يخرج من غرفته مع الفجر وهو كان يفضل الراحة والنوم أكثر من العلم .
    س : ما موقف الإمام محمد عبده من كتب الأزهر ؟ وكيف عبر عن ذلك ؟
    جـ : كان الإمام محمد عبده يرى أن كتب الأزهر ومناهجه شديدة على الطلاب وفيها جمود مما يجعل الطلاب يضيقون بها ضيقاً شديداً وهي تحتاج للتغيير .
    - وقد دلهم الإمام على كتب قيمة في النحو والبلاغة والتوحيد والأدب أيضاً .
    س : لشيوخ الأزهر موقف من تلك الكتب التي ينادي بها الإمام محمد عبده . وضِّح .
    جـ : كانوا يكرهونها ؛ لأنهم لم يألفوها (يعتادوها) ، وربما اشتد بغضهم لها ؛ لأن الإمام هو الذي دل الطلاب عليها ونوَّه (أشار) بها.
    س : ما الوسائل التي اتبعها الشباب الأزهريون الذين يتحدث عنهم الكاتب للتميز في العلم ؟
    جـ : كان هؤلاء الشباب الأزهريون يسارعون إلى شراء الكتب القيمة التي دلهم عليها الشيخ الإمام ، ومن كان يعجز عن شرائها يستعيرها من مكتبة الأزهر ، كما اتفقوا على قراءة هذه الكتب مجتمعين ؛ ليتعاونوا على فهمها ؛ لأنهم كان لديهم رغبة صادقة وعزيمة أكيدة على تحصيل العلم والاطلاع والبحث .
    س: منِ الشيوخ الأئمة الذين كان طلابهم يفخرون بهم ؟
    جـ : كانوا يفخرون بتلمذتهم للأستاذ الإمام وللشيخ بخيت وللشيخ أبي خطوة وللشيخ راضي وكانوا يملئون أفواههم بأنهم تلاميذ هؤلاء الأئمة وبأنهم من تلاميذهم المقربين المصطفين (المختارين).
    س : دلل على حب طلاب العلم للإمام محمد عبده ورفاقه من علماء الأزهر .
    جـ : الدليل أنهم لم يكونوا يكتفون بالاختلاف (التردد) إلى هؤلاء الشيوخ في دروسهم وإنما كانوا يزورون شيوخهم في بيوتهم وربما شاركوهم في بعض البحث ، وربما استمعوا منهم دروساً خاصة في يوم الخميس بعد أن تصلي الظهر أو بعد أن تصلي العشاء .
    س : وما رأي الكاتب في هؤلاء الطلاب ؟
    جـ : ورأي الكاتب أنهم أنجب طلاب الأزهر وأخلقهم (أجدرهم ، أحقهم) بالمستقبل السعيد .
    س : علل : محاولة الطلاب متوسطي المستوى الاتصال بأنجب طلاب الأزهر .
    جـ : لأنهم يلتمسون التفـوق والامتياز في الاتصال بهم والامتياز حين يعرف الناس أنهم من أصدقائهم وأصفيائهم ، ويلتمسون بذلك الوسيلة إلى أن يتصلوا بكبار الشيوخ وأئمة الأساتذة .
    س : لماذا اتصل هذا الشاب بهؤلاء الطلاب المتفوقين ؟
    جـ : ليقول زملاؤه إنه واحد منهم وليستطيع بحكم هذه الصلة أن يصحبهم في زياراتهم للأستاذ الإمام أو الشيخ بخيت .
    س : لماذا كان الطلاب المتفوقون يقبلون مصاحبة الطلاب الضعاف والمتوسطين ؟
    جـ : إرضاء لغرورهم الذي يوضِّح لهم مدى تفوقهم عليهم ، ثم يتيح لهم بعد ذلك ، حين يخلون إلى أنفسهم (ينفردون بها) وقد أحصوا على هؤلاء الزملاء الضعاف والمتوسطين جهالاتهم وسخافاتهم وأغلاطهم الشنيعة ، أن يعيدوا ذلك وأن يضحكوا منه ملء أفواههم وملء جنوبهم (أي قلوبهم) أيضاً.
    س : ما الذي كان هذا الشاب يشارك فيه هؤلاء الطلاب المتفوقين ؟ وما الذي كان لا يشاركهم فيه ؟
    جـ : كان يشاركهم في الدرس ويشاركهم في الشاي ، ويشاركهم في الزيارات ويشاركهم في بعض الشهرة .
    - ولكن الله لم يفتح عليه بأن يشاركهم في العلم والفهم ، وفي الإبانة والإيضاح .
    س : ما الذي كان لا يطيقه الطلاب المتفوقون من هذا الشاب ؟
    جـ : كانوا لا يطيقون جهله وربما لم يملكوا أنفسهم فضحكوا من هذا الجهل بمحضر منه ، وردوا عليه سخفه (ضعفه ، تفاهته) رداً عنيفاً فيه كثير من الازدراء القاسي والغض من شأنه (الحط من قدره).
    س : كيف كان هذا الشاب يقابل ضحك وسخرية هؤلاء الطلاب منه ؟
    جـ : كان يقبل ذلك راضياً ويتلقاه باسماً فلم يغضب يوماً منهم .
    س : ما الذي كان يضحك الطلاب من الشاب ساكن الغرفة ؟
    جـ : كانوا يضحكون من جهله بعلم العروض ، فكل الشواهد في كتب النحو التي كان يتعرض لها كان يرجعه إلى بحر واحد هو " البسيط " فكل الأبيات والشواهد عنده من بحر واحد فقط هو " البسيط ".
    س : كيف تصرَّف هذا الشاب عندما أحس أنه ليس من تلك الحلبة وانه لا يستطيع أن يجري في ذلك الميدان (أي حلبة وميدان التفوق والعلم)؟
    جـ : أخذ يتخلف قليلاً قليلاً عن الدروس ، ويتكلف المعاذير (الأعذار ، الحجج م معذرة) حتى لا يشاركهم في مطالعتهم ويكتفي بالمشاركة في الشاي والطعام أحياناً والزيارات دائماً.
    س : ما العلاقة التي ربطت الصبي بالشاب ساكن الغرفة ؟ وكيف انتهت ؟
    جـ : عرض الشاب على الصبي - الذي أصبح غلاماً - أن يقرأ معه الكتب في الحديث والمنطق والتوحيد ولما لم يجد عنده فائدة ، وأن الغلام ليس فارغاً للضحك والتندر به فأعرض عنه وتخلص منه .
    س : كيف اتصل الشاب ساكن الغرفة بالأثرياء ؟
    جـ : ظل محسوباً على الأزهر ولكنه كان يشارك الطلاب حياتهم الاجتماعية وقد ارتفعت حياة الشباب بعض الشيء بفـضل ذكائهم وجدهم وتفوقهم ورضا الأستاذ الإمام عنهم فاتصلوا بأبناء الأسر الغنية الثرية الذين كانوا يطلبون العلم في الأزهر ، فتتبعهم ساكن الغرفة في اتصالهم بالأثرياء من طلاب الأزهر .
    س : لماذا قاطع الشباب صاحبهم ؟وما أثر ذلك على حياته ؟
    جـ : عندما خرج الأستاذ من الأزهر في المحنة السياسية المعروفة اتصل ساكن الغرفة بالأستاذ وشـيعته واتصل أيضاً بخصومه مشاركاً لهم ، واتصل بخصوم الإضراب مفشياً لهم أسرار المضربين ، فاكتشف أمره ، واتضح أيـضاً اتصاله بالمحافظة فانقطعت صلتهم به وقبع في غرفته بعدما خسر الناس جميعاً .
     س : ما مصير ساكن الغرفة ؟ وما رد فعل أصدقائه ؟
    جـ : مات الشاب ، أمات من علة به ؟ أم مات من حسرة ؟ أم مات من الحرمان ؟ وأما أصدقاؤه أخذهم وجوم ولم يحزنوا عليه وإنما قالوا : " إنا لله وإنا إليه راجعون ".

    عرض الأحداث :
    1- تأثر الصبى بالربع :-
    على هذا الربع أقبل الصبى ، وفى هذه البيئة عاش وأكبر الظن أن ما أكتسب فيهما من العلم بالحياة وشئونها والأحياء و أخلاقها لم يكن أقل خطرآ مما أكتسبه من بيئته الأزهرية من (العلم بالفقه والنحو والمنطق والتوحيد) .
    2- الأستاذ الجديد للصبى وسماته :-
    ولم يكد الصبى يستقر فى ربعه يومين أو ثلاثة حتى أسلمه أخوه إلى أستاذ كان قد ظفر بالدرجة أثناء الصيف وكان سيبدأ الدرس ويجلس مجلس الأستاذ من صغار التلاميذ لأول مرة فى حياته وكان قد بلغ الأربعين أو كاد يبلغها وكان معروفآ بالتفوق مشهورآ بالذكاء وقد غالب الحظ فغلبه وإن لم يكن أنتصاره على الحظ ملائمآ لحقه فى الفوز فقد ظفر بالدرجة الثانية وعد هذا أنتصار وقصر فى الدرجة الأولى وعد هذا ظلمآ وكان ذكاؤه مقصورآ على العلم فإذا تجاوزة إلى الحياة العلمية فقد كان إلى السذاجة أدنى منه إلى أى شئ آخر وكان يعرف بين أصدقائه الطلاب والعلماء بأنه محب لبعض لذاته المادية متهالك عليها يفرض عليه مزاجه ذلك ولا تفرضه عليه رذيلة أو فساد خلق مألوف وكان كثير الأكل قد شهر بأنه يتهالك على اللحم ولا يستطيع أن ينقطع عن أكله والإسراف فيه يومآ واحدآ وكان ذلك يكلفه عناء كثيرآ ، وكان إلى هذا غريب الصوت إذا تحدث كان صوته متهدجآ متكسرآ يقطع الحروف تقطيعآ ويتراكم مع ذلك بعضه فوق بعض ، وتنفرج شفتاه عن كلامه أكثر مما ينبغى ، فلا يكاد يسمعه المتحدث إليه حتى يضحك ، ولا يكاد يمضى فى الحديث معه حتى يقلد فتور صوته وتكسره وإنفراج الشفتين عنه ولم يكد يظفر بدرجة العالمية حتى أسرع إلى شارة العلماء فأتخذها ولبس الفرجية متعجلآ لبسها ولم يكن العلماء يتخذون هذه الشارة إلا بعد أن يبعد عهدهم بالدرجة وتعرف لهم فى العلم سابقة وقدمة وتيسر لهم حياتهم المادية شيئآ، ولكن صاحبنا أسرع إلى الفرجية فلبسها وأضحك منه أصحابه من الطلاب وأساتذته من الشيوخ وزادهم ضحكآ منه وتندرآ عليه أنه كان يلبس الفرجية ويمشى حافيآ فى نعليه إن صح هذا التعبير لا يتخذ الجوارب عجزآ منه عنها أو زهدآ منه فيها وكان إذا مشى فى الشارع تثاقل وتباطأ وأصطنع وقار العلماء وجلال العلم ، فإذا خطا عتبة الأزهر ذهب عنه وقاره وفارقته أناته ولم يمشى إلا مهرولآ.
    3- كيف عرف الصبى أستاذه :-
    وقد عرف الصبى رجليه قبل أن يسمع صوته فقد أقبل على مكان درسه لأول مرة مهرولآ كما تعود أن يمشى ، فعثر بالصبى وكاد يسقط من عثرته ومست رجلاه اللتان خشن جلدهما يد الصبى فكادت تقطع ، ثم مضى حتى جلس وأسند ظهره إلى العمود الذى تمنى أن يسند ظهره إليه معلمآ .
    4- منهج الأستاذ فى التدريس :-
    وكان كغيره من أقرانه فى ذلك الوقت بارعآ فى العلوم الأزهرية كل البراعة ساخطآ على طريقة تعليمها سخطآ شديدآ قد بلغت تعاليم الأستاذ الإمام قلبه فأثرت فيه ، ولكنها لم تصل إلى أعماقه فلم يكن مجددآ خالصآ ولا محافظآ خالصآ وإنما كان شيئآ بين ذلك وكان هذا يكفى لينظر الشيوخ إليه شزرآ وليلحظوه فى شئ من الريبة والإشفاق ولم يكد يبدأ درسه فى الأول فى الفقه حتى أعلن إلى تلاميذه أنه لن يقرأ لهم كتاب (مراقى الفلاح على نور الإيضاح) كما تعود الشيوخ أن يقرءوا للتلاميذ المبتدئين ، ولكنه سيعلمهم الفقه فى غير كتاب بمقدار بمقدار ما فى مراقى الفلاح فعليهم إذا أن يسمعوا منه ويفهموا عنه ، وأن يكتبوا ما يحتاجون إلى كتابه من المذكرات .
    5- الصبى راض عن أستاذه :-
    ثم أخذ فى درسه فكان قيمآ ممتعآ وسار هذه السيرة فى درس النحو ، فلم يقرأ التلاميذ (شرح الكفراوى) ولم يعلمهم الأوجه التسعة لقراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) وإعرابها ، وأنما هييأهم للنحو تهيئة حسنة وعرفهم الكلمة والكلام والأسم والفعل والحرف فكان درسه ممتعآ أيضآ وسئل الصبى أثناء الشاى العصر عما سمع من أستاذه فى الفقه والنحو فلما أعاد على أخيه وأصحابه ما سمع رضيت الجماعة عن الشيخ وعن منهجه وأقرت طريقته فى التعليم وجعل الصبى يختلف إلى هذين الدرسين لا يتجاوزهما أيامآ لا يذكر عددها ولكنه كان يسأل نفسه متى ينتسب إلى الأزهر ويصبح طالبآ مقيدآ فى سجلاته فلم يكن فى هذه الأيام إلا صبيآ يستمع إلى هذين الدرسين أستماعآ منظمآ محتومآ ويستمع إلى درس الحديث الذى كان يلقى بعد صلاة الفجر لا لشئ إلا أنه كان ينتظر أن يفرغ أخوه من درس الأصول وأن يحين الوقت الذى فيه درس الفقه
    6- أمتحان الصبى فى القرآن :-
    وقد أقبل اليوم المشهود فأبى الصبى بعد درس الفقه أن يذهب إلى الأمتحان فى حفظ القرآن توطئة لأنتسابه إلى الأزهر ولم يكن الصبى قد أنبئ بذلك من قبل ، فلم يتهيأ لهذا الأمتحان ولو قد أنبئ به لقرأ القرآن على نفسه مرة أو مرتين قبل ذلك اليوم ، ولكنه لم يفكر فى تلاوة القرآن منذ وصل إلى القاهرة فلما أنبئ أنه سيمتحن بعد ساعة خفق قلبه وجلآ وسعى إلى مكان الأمتحان فى (زاوية العميان) خائفأ أشد الخوف مضطرب النفس أشد الأضطراب ولكنه لم يكد يدنو من الممتحنين حتى ذهب عنه الوجل فجأة وامتلأ قلبة حسرة وألمآ وثارت فى نفسه خواطر لاذعة لم ينسها قط فقد أنتظر أن يفرغ الممتحنان من الطالب الذى كان أمامهما ، وإذا هو يسمع أحد الممتحنين يدعوه بهذه الجملة التى وقعت من أذنه ومن قلبه أسوأ وقع (أقبل يا أعمى) ولولا أن أخاه أخذ بذراعه فأنهضه فى غير رفق وقاده إلى الممتحنين فى غير كلام ، لما صدق أن هذه الدعوة قد سيقت إليه فقد كان تعود من أهله كثيرآ من الرفق به وتجنبآ لذكر هذه الآفة بمحضره وكان يقدر ذلك وإن كان لم ينس قط أفته ولم يشغل قط عن ذكرها ومع ذلك فقد جلس أمام الممتحنين وطلب إليه أن يقرأ سورة الكهف ، فلم يكد يمضى فى الآيات الأولى منها حتى طلب إليه أن يقرأ سورة العنكبوت فلم يكد يمضى فى الآيات الأولى منها حتى قال له أحد الممتحنين (أنصرف يا أعمى ، فتح الله عليك) .
    7- ضيق الصبى بالأمتحان والممتحنين رغم نجاحه :-
    وقد دهش الصبى لهذا الأمتحان الذى لا يصور شيئآ ولا يدل على حفظ ، وقد كان ينتظر على الأقل تقدير أن تمنحه اللجنة على نحو ما كان يمتحنه أبوه الشيخ ولكنه أنصرف راضيآ عن نجاحه ساخطآ على ممتحنيه ، محتقرآ لأمتحانهم .
    8- دلالة السوار الجديد حول معصم الصبى :-
    ولم يخرج من زاوية العميان قبل أن ىيعطف به أخوه على بعض أركانها فتلقاه هناك أحد الفراشين أو أحد المشدين بلغة ذلك الوقت فأخذ ذراعه اليمنى ، وأدار حول معصمه سوارآ من الخيط جمع طرفيه بقطعة مختومة من الرصاص وقال له أنصرف فتح الله عليك ، ولم يفهم الصبى لهذا السوار معنى ولكن أخاه أنبأه بأن هذا السوار سيظل حول معصمه أسبوعآ كاملآ حتى يمر أمام الطبيب الذى سيمتحن صحته ويقدر سنه ويطعمه التطعيم الواقى من الجدرى وقد كان الصبى خليقآ أن يبتهج بهذا السوار الجديد الذى كان يدل على أنه مرشح للأنتساب إلى الأزهر وقد جاز المرحلة الأولى من مراحله ، لولا أنه ظل مشغولآ عن السوار بدعوة الممتحنين له وصرفه إياه وأنفق أسبوعه كما تعود أن ينفق أيامه مستيقظآ على صوت عمى الحاج على ذاهبآ إلى الأزهر مع الفجر عائدآ منه بعد درس الفقه ثم ذاهبآ إلى الأزهر مع الظهر ، ثم راجعآ منه بعد درس النحو ثم مقيمآ فى مجلسه ذاك فنائمآ فى مجلسه ذاك فغاديآ على الأزهر حين يسمع نداء المؤذن بأن الصلاة خير من النوم
    9- الأمتحان الطبى للصبى وإنتسابه للأزهر :-
    جاء يوم الأمتحان الطبى فذهب إليه الصبى وفى نفسه شئ من الأشفاق أن يدعوه الطبيب كما دعاه الممتحن ولكن الطبيب لم يدعه لأنه لم يكن يدعو أحدآ ، وإنما دفعه أخوه إلى الطبيب دفعآ فأخذ ذراعة وخط فيها خطوطآ وقال خمسة عشر وأنتهى الأمر عند هذا الحد وأصبح الصبى طالبآ منتسبآ إلى الأزهر ولم يكن قد بلغ ال التى ذكرها الطبيب والتى لم يكن بد منها لصحة الأنتساب ، وإنما كان ف الثالثة عشرة من عمره وقد حل السوار عن معصمه وعاد إلى غرفته وفى نفسه شك مؤلم لذيذ فى أمانة الممتحنين وفى صدق الطبيب.
    ملخص الفصل :
    ■ الحياة في الربع أكسبت الصبي علماًً بالحياة وشؤونها والأحياء وأخلاقهم ، بينما الدراسة في الأزهر أكسبته العلم بالفقه والنحو والمنطق والتوحيد.
    ■ ولقد جلس الصبي للتعلم أمام أستاذ جديد ساذج في حياته بارع في العلم اتخذ زي العلماء (الفراجية) لباساً له دون أن يستحقه فأضحك منه أصحابه من الطلاب وأساتذته من الشيوخ .
    ■ ولقد كان هذا الأستاذ بارعاًً في العلوم الأزهرية ساخطاًً على طريقة تدريسها ، لذلك اتخذ أسلوباً جديداً في شرح الفقه فهو لن يقرأ للطلاب كتاب (مراقي الفلاح على نور الإيضاح ) ولكنه سيعلم الطلاب الفقه في غير كتاب بمقدار ما في (مراقي الفلاح ). وحينما أخبر الصبي أخاه بتلك الطريقة أعجب بها وأثنى على الأستاذ.
    ■ ولقد أقبل اليوم المشهود وأنبئ الصبي أنه سيذهب إلى الامتحان في حفظ القرآن توطئة (تمهيداً) لانتسابه إلى الأزهر وذهب الصبي للامتحان في زاوية العميان وكانت الدعوة التي أحزنته كثيراً وهي التي ناداه بها الممتحن : (أقبل يا أعمى).
    ■ لم يصدق الصبي ما سمع ؟ فقد تعود من أهله كثيراً من الرفق به وتجنباً لذكر هذه الآفة بمحضره . ثم وُضِعَ سوار حول معصمه استعداداً للكشف الطبي لدخول الأزهر .
    ■ ولقد كان الفتى خليقاً أن يبتهج بهذا السوار الذي يدل على أنه مرشح للانتساب إلى الأزهر ، وعلم من أخيه أن السوار سيظل حول معصمه لمدة أسبوع حتى يمر أمام الطبيب الذي سيمتحن صحته ويقدر سنه .
    ■ وجاء يوم الامتحان الطبي وقدر الطبيب سن الصبي بخمسة عشر عاماً وإن كان سنه الحقيقي ثلاثة عشر عاماً ، وحل السوار عن معصمه وأصبح الصبي طالباً منتسباً إلى الأزهر رسمياً .

    س : للبيئة القاهرية وللبيئة الأزهرية تأثير على طه حسين . وضِّح ذلك التأثير .
    جـ : أكسبته البيئة القاهرية علماً بالحياة وشؤونها والأحياء وأخلاقهم .
    - بينما البيئة الأزهرية أكسبته العلم بالفقه والنحو والمنطق والتوحيد.
    س : تحدّث عن شيخ الفقه والنحو الجديد الذي أتى به الأخ لشقيقه الصبي .
    جـ : كان قد بلغ الأربعين أو كاد يبلغها. وكان معروفاً بالتفوق مشهوراً بالذكاء وكان ذكاؤه مقصوراً على العلم ، فإذا تجاوزه إلى الحياة العملية فقد كان إلى السذاجة (الفطرة) أدنى منه إلى أي شيء آخر . وكان يعرف بين أصدقائه الطلاب والعلماء بأنه محب لبعض لذاته (متعه) المادية متهالك عليها (مقبل، متهافت) وكان كثير الأكل عاشقاً للحم ولا يستطيع أن ينقطع عن أكله والإسراف فيه يوماً واحداً .
    س : متى كان يزداد ضحك وسخرية الطلاب والشيوخ من ذلك الشيخ ؟
    جـ : عندما كان يتحدث ؛ لأن صوته كان غريباً متقطعاً متكسراً يقطع الحروف تقطيعاً غريباً كما أن شفتيه تنفرجان عن كلامه أكثر مما ينبغي ، وأيضاً عندما ارتدي زي العلماء (الفراجية) بعد أن ظفر بدرجة العالمية . وزادهم ضحكاً منه وتندراً عليه أنه كان يلبس الفراجية ويمشي بلا جورب في نعليه .
    س : كيف كانت مشية ذلك الشيخ في الشارع ؟ وفي داخل أروقة الأزهر ؟
    جـ : كان يمشي في تثاقل وبطء متصنعاً وقار العلماء وجلال العلم فإذا دخل الأزهر ذهب عنه وقاره ولم يمشِ إلا مهرولاً .
    س : " عرف الصبي رجلي الشيخ قبل أن يعرف صوته .. " . وضِّح .
    جـ : وذلك حينما اصطدم هذا الشيخ به وهو يسير مهرولاً كما تعود أن يمشي فعثر (اصطدم) بالصبي وكاد يسقط من عثرته ومست رجلاه العاريتان اللتان خشن جلدهما يد الصبي فكادت تقطعهما .
    س : ما صفات الشيخ العلمية ؟
    جـ : كان بارعاً في العلوم الأزهرية كل البراعة ساخطاً على طريقة تعليمها سخطاً شديداً . وقد بلغت تعاليم الأستاذ الإمام قلبه فأثرت فيه ، ولكنها لم تصل إلى أعماقه ، فلم يكن مجدداً خالصاً ولا محافظاً خالصاً .
    س : كيف كانت نظرة الشيوخ لهذا الشيخ ؟
    جـ : كانوا ينظرون إليه شزراً (أي في استهانة) ويتابعونه في شيء من الريبة والإشفاق .
    س : خالف هذا الشيخ الشيوخ الآخرين في طريقة تدريسه للفقه . وضِّح .
    جـ : لأنه أعلن إلى تلاميذه أنه لن يقرأ لهم كتاب (مراقي الفلاح على نور الإيضاح) كما تعود الشيوخ أن يقرءوا للتلاميذ المبتدئين ، ولكنه سيعلمهم الفقه في أكثر من كتاب بمقدار ما في "مراقي الفلاح"، وكان درسه قيماً ممتعاً .
    س : ما طريقة تدريس هذا الشيخ للنحو ؟
    جـ : سار بنفس طريقة تدريسه في الفقه في درس النحو ، فلم يقرأ للتلاميذ " شرح الكفراوي" ، ولم يعلمهم الأوجه التسعة لقراءة بسم الله الرحمن الرحيم وإعرابها ، وإنما هيأهم للنحو تهيئة حسنة ، وعرفهم الكلمة والكلام والاسم والفعل والحرف ، فكان درسه سهلاً ممتعاً أيضاً .
    س : ما موقف شقيق الصبي وأصدقائه من هذا الشيخ ومنهجه ؟
    جـ : رضيت هذه الجماعة عن الشيخ وعن منهجه وأقرت طريقته الجديدة في التعليم .
    س : ما اليوم المشهود الذي كان ينتظره الصبي ؟ وهل كان مستعداً له ؟
    جـ : اليوم الذي أخبر فيه الصبي بعد درس الفقه أنه سيذهب إلى الامتحان في حفظ القران توطئة (تمهيداً)لانتسابه إلى الأزهر .
    - لم يكن الصبي قد استعد لهذا الامتحان ولو كان قد عرف من قبل لقرأ القرآن على نفسه مرة أو مرتين قبل ذلك اليوم ، ولكنه لم يفكر في تلاوة القرآن منذ وصل إلى القاهرة .
    س : ماذا كان شعور الصبي حينما أخبر بأنه سيمتحن في القرآن توطئة لانتسابه في الأزهر ؟
    جـ : خفق قلبه وجلاً وسعى إلى مكان الامتحان في زاوية العميان خائفاً أشد الخوف مضطرب النفس أشد الاضطراب ، ولكنه لم يكد يدنو من الممتحنين حتى ذهب عنه الوجل فجأة ، وامتلأ قلبه حسرة وألماً وثارت في نفسه خواطر لاذعة (مؤلمة)لم يحسها قط.
    س : كيف كان وقع دعوة الممتحن للصبي بقوله : " أقبل يا أعمى " على نفسه ؟
    جـ : وقعت من أذنه ومن قلبه أسوأ موقع (تأثير) ، ولولا أن أخاه أخذ بذراعه فأنهضه في غير رفق وقاده إلى الممتحنين في غير كلام لما صدق أن هذه الدعوة قد سيقت إليه فقد تعود من أهله كثيراً من الرفق لا هذه الغلظة الشديدة .
    س : ما نتيجة هذا الامتحان ؟ وما سر دهشة الصبي ؟
    جـ : النتيجة : النجاح ، وقد دهش الصبي لهذا الامتحان ؛ لأنه لا يصور شيئاً ولا يدل على حفظ ، فقد طلب إليه أن يقرأ سورة الكهف ، فلم يكد يمضي في الآيات الأولى منها حتى طلب إليه أن يقرأ سورة العنكبوت ، فلم يكد يمضي في الآيات الأولى منها حتى قال له أحد الممتحنين : " انصرف يا أعمى ، فتح الله عليك " . وقد كان ينتظر علي أقل تقدير أن تمتحنه اللجنة على نحو ما كان يمتحنه أبوه الشيخ . ولكنه انصرف راضياً عن نجاحه ، ساخطاً على ممتحنيه ، محتقراً لامتحانهما.
    س : لماذا وُضِعَ حول معصمه سوار ؟
    جـ : كان يدل على أنه مرشح للانتساب إلى الأزهر قد اجتاز المرحلة الأولى من مراحله .
    س : ما الذي عكر ابتهاج الصبي بهذا السوار الجديد حول معصمه ؟
    جـ : هو انشغاله الشديد بقول الممتحن له : (أقبل يا أعمى ثم انصرف يا أعمى ).
    س : كان للجنة امتحان القرآن والامتحان الطبي أثرهما البالغ في نفس الصبي . وضِّح .
    جـ : وذلك لأن امتحان القرآن كان بسيطاً لا يظهر شيئاً كما أن الطبيب لم يكن صادقاً في كشفه عندما حدد سنه بخمس عشرة سنة وهو كان في الثالثة عشرة فقط .

    عرض الأحداث:
    1- الحياة الشاقة على الصبى وأخيه :-
    وكانت هذه الحياة شاقة على الصبى وعلى أخيه معآ فأما الصبى فقد كان يستقل ما كان يقدم إليه من العلم ويتشوق إلى أن يشهد أكثر مما كان يشهد من الدروس ، ويبدأ أكثر مما كان قد بدأ من الفنون وكانت وحدته فى الغرفة بعد درس النحو قد ثقلت عليه حتى لم يكن يستطيع لها أحتمالآ وكان يود لو أستطاع الحركة أكثر مما كان يتحرك والكلام أكثر مما كان يتكلم وأما أخوه فقد ثقل عليه أضطراره إلى أن يقود الصبى إلى الأزهر وإلى البيت مصبحآ وممسيآ وثقل عليه أيضآ أن يترك الصبى وحده أكثر الوقت ، ولم يكن يستطيع أن يفعل غير هذا فلم يكن من الممكن ولا من الملائم لحياته ودرسه أن يهجر أصدقاءه ويتخلف عن دروسه ويقيم فى تلك الغرفة ملازمآ للصبى مؤنسآ له .
    2- الصبى لا يتحدث إلى أحد عن وحدته وقسوتها :-
    ولم يتحدث الصبى بذات نفسه إلى أحد ولم يتحدث أخو الصبى إليه بذات نفسه أيضآ وأكبر الظن أنه تحدث بذلك إلى أصدقائه غير مرة ولكن المشكلة بلغت أقصاها ذات ليلة وأنتهت إلى الحل بعد ذلك دون أن يقول الصبى لأخيه شآ أو أن قول له أخوه شئ دعيت الجماعة ذات يوم إلى أن تسمر عند صديق لها سورى لا يسكن الربع ولا يسكن الحى وقبلت الجماعة دعوة الصديق ومضى اليوم كما تعودت الأيام أن تمضى وذهبت الجماعة إلى درس الأستاذ الإمام ثم عادت منه بعد صلاة العشاء ليتخفف كل واحد منها مما كان يحمل من محفظته وأوراقه .
    3- سيطرة الحزن على الصبى :-
    وهيأ الشيخ الفتى أخاه الصبى لنومه كما كان يفعل كل ليلة وإنصرف عنه بعد أن أطفأ المصباح كما كان ينصرف كل ليلة ولكنه لم يكد يبلغ الباب حتى كان الحزن قد غلب الصبى على نفسه فأجهش ببكاء كظمة ما أستطاع ولكنه وصل فى أكبر الظن إلى أذن الفتى فلم يغير رأيه ولم يصرفه عن سمره وإنما أغلق الباب ومضى فى وجهه وأرضى الصبى حاجة نفسه إلى البكاء ثم عاد إليه أطمئنانه شيئآ فشيئآ ومثل قصته التى كان يمثلها فى كل ليلة ، فلم يستسلم إلى النوم إلا بعد أن عاد أخوه ولكنه أصبح فإذا إخوه يقدم إليه بعد درس الفقه وبعد أن أفطر ألوانآ من الحلوى كان قد أشتراها له فى طريقه إلى العودة من سمره وقد فهم الصبى عن أخيه وفهم أخوه عنه فلم يقل أحدهما لصاحبه شيئآ .
    4- أنقضاء عهد الوحدة القاسية :-
    ومضى يوم ويوم آخر وأخذ الشيخ الفتى كتابآ من الحاج فيروز ففضه ونظر فيه ثم قال لأخيه وقد وضع يده على كتفه وقد أمتلأ صوته حنانآ ورفقآ لن تكون وحدك فى الغرفة منذ غد فسيحضر أبن خالتك طالبآ للعلم ، وستجد منه مؤنسآ ورفيقآ .
    ملخص الفصل :
    ■ الصبي كان متشوقاً لمزيد من العلم ووحدته في الغرفة قد ثقلت عليه حتى لم يكن يستطيع لها احتمالاً وكان يود لو استطاع الحركة أكثر مما كان يتحرك والكلام أكثر مما كان يتكلم .
    ■ عدم قدرة شقيق الصبي على رعايته لانشغاله بدروسه وأصدقائه وفي يوم خرج شقيقه ليسهر عند صديق يسكن بعيداً فلم يتمالك الصبي نفسه لدرجة أن الحزن قد غلب نفسه فأجهش ببكاء وصل إلى أذن أخيه .
    ■ الحل للقضاء على الوحدة يأتي من البلدة ابن خالة الصبي وصديقه الحميم سيحضر إلى القاهرة طلباً للعلم وبذلك يجد الصبي مؤنساً ورفيقاً له ولن يبقى وحيداً بعد ذلك .

    س : لماذا كانت تلك الحياة شاقة على الصبي وعلى أخيه ؟
    جـ : لأن الصبي كان يستقل (يستصغر × يستكثر) ما كان يقدم إليه من العلم ويتشوق (يتلهَّف × يزهد ، يعزف) إلى أن يشهد أكثر مما كان يشهد من الدروس ، كما أن وحدته في الغرفة بعد درس النحو قد ثقلت عليه حتى لم يكن يستطيع لها احتمالاً وكان يود لو استطاع الحركة أكثر مما كان يتحرك والكلام أكثر مما كان يتكلم .
    - أما أخوه فقد ثقل عليه اضطراره إلى أن يقود الصبي إلى الأزهر وإلى البيت مصبحاً وممسياً. وثقل عليه أيضا أن يترك الصبي وحده أكثر الوقت ، ولم يكن يستطيع أن يفعل غير هذا فلم يكن من الممكن ولا من الملائم لحياته ودرسه أن يهجر أصدقاءه ويتخلف عن دروسه ويقيم في تلك الغرفة ملازماً للصبي مؤنساً له .
    س : " ولكن المشكلة بلغت أقصاها ذات ليلة وانتهت إلى الحل بعد ذلك .. "
    ما المشكلة المقصودة ؟ وكيف عبر الصبي عن تأثره بهذه المشكلة ؟ وما الحل الذي انتهت إليه ؟
    جـ : المشكلة المقصودة : مشكلة الوحدة القاسية التي يعانيها الصبي وعدم قدرة شقيقه على رعايته لانشغاله بدروسه وأصدقائه ، وقد بلغت أقصاها عندما خرج شقيقه ذات يوم ليسهر عند صديق سوري يسكن بعيداً عن الربع فلم يتمالك الصبي نفسه لدرجة أن الحزن قد غلب نفسه فأجهش ببكاء وصل إلى أذن أخيه فلم يغير رأيه ولم يصرفه عن سمره ، وأغلق الباب ومضى.
    - والحل الذي انتهت إليه : وصلت رسالة تفيد بأن ابن خالة الصبي وصديقه الحميم سيحضر إلى القاهرة طلباً للعلم وبذلك يجد الصبي مؤنساً ورفيقاً له يزيل وحدته القاسية.
    س : لقد حاول الشيخ الفتي أن يدخل السرور على شقيقه . فماذا فعل ؟
    جـ : بأن اعتذر بطريق غير مباشر بشرائه ألواناً من الحلوى للصبي .
    س : ما مضمون الرسالة التي استلمها الحاج فيروز وأسعدت الصبي والشيخ الفتى ؟
    جـ : مضمونها أن ابن خالة الصبي وصديقه الحميم سيحضر إلى القاهرة طلباً للعلم وبذلك يجد الصبي مؤنساً ورفيقاً له ولن يبقى في الغرفة وحيداً بعد ذلك.

    عرض الأحداث :
    1- ذكريات الصبى مع أبن خالته :-
    وكان أبن خالته هذا رفيق صباه ، وكان له صديقآ وعنده أتيرآ ، وكان كثيرآ ما يهبط من بلدته فى أعلى الأقاليم لزيارة الصبى فينفق معه الشهر او الأشهر يختلفان معآ إلى الكتاب فيلعبان وإلى المسجد فيصليان ثم يعودان مع الأصيل إلى البيت فيقرآن فى كتب القصص والسمر ، أو يمضيان فى ألوان من العبث أو يخرجان للنزهة عند شجيرات التوت التى تقوم على حافه الأبراهيمية وكانا كثيرآ ما أدارا بينهما ألوانآ من الامانى والأحلام وكانا قد تعاهدا على أن يذهبا معآ إلى القاهرة ويطلبى العلم معآ فى الأزهر ، وكثيرآ ما هبط أبن خالته من مدينته فى أعلى الأقليم فى آخر الصيف وقد أعطته أمه نقودآ وأعدت له زادآ وودعته على أنه سيذهب مع أبن خالته إلى القاهرة ليطلبا فيها العلم معآ ولكنه كان يشارك صديقه فى الأنتظار ثم فى الغضب ثم فى الحزن والبكاء لأن الأسرة رأت أو لأن الشيخ الفتى رأى أن الوقت لم يئن لذهابهم إلى القاهرة ثم كانا يفترقان ويعود الصديق إلى أمه محزونآ كئيبآ .
    2- الصبى ينتظر أبن خالته :-
    فلا غرابة فى أن يقع هذا الخبر من نفس الصبى موقعآ حسنآ ولا غرابة فى أن يقضى الصبى مساءه راضيآ مبتهجآ لا يفكر إلا فى غد وقد أقبل الليلوملأ الغرفة بظلمته ولكن الصبى لم يسمع للظلمة فى تلك الليلة صوتآ ولا حديثآ وأكبر الظن أن حشرات الغرفة قد لعبت كما كانت تفعل فى كل ليلة ولكن الصبى لم يسمع لها صوتآ ولم يحس لها حركة وقد أرق الصبى ليلته كلها ولكنه كان أرقآ فرحآ مبتهجآ فيه كثير من تعجل الوقت وأستبطاء الصبح وقد ذهب الصبى إلى درس الحديث فسمع صوت الشيخ وهو يتغنى بالسند والمتن ولكنه لم يلق إلى الشيخ بالآ ولم يفهم عنه شيئآ وذهب بعد ذلك إلى درس الفقه فأستمع له لأنه لم يجد فى ذلك بدآ فقد كان أخوة أوصى به الشيخ وكان الشيخ يحاوره ويناظره ويضطره إلى أن يسمع له ويفهم عنه ثم عاد الصبى إلى الغرفة فى الضحى فأنفق وقته هادئآ قلقآ هادئآ فى ظاهر الأمر فقد كان يكره كل الكره أن يظهر أن يظهر أخوه أو أصحابه على أن شيئآ من أمره قد تغير قليلآ أو كثيرآ وقلقآ فى دخيلة نفسه يتعجل الوقت ويستبطئ العصر الذى سيصل فيه القطار إلى محطة القاهرة .
    3- أبن خاله الصبى يصل إلى الربع :-
    وقد دعى المؤذن بصلاة العصر أخر الأمر ولم يبق بين الصبى وأبن خالته إلا هذا الوقت القصير الذى تقطع فيه عربة من عربات النقل هذه المسافة بين المحطة وبين الحى سالكة باب البحر فباب الشعرية منتهية إلى هذا الباب الذى ستنعطف نحوه فتمر بين دخان القهوة وقرقرة الشيشة وهاتان قدمان تضربآ أرض الربع لا يتردد الصبى فى معرفتهما وهذا أبن خالته يقبل فيلقى عليه سلامآ ضاحكآ ثم يعتنقان ضاحكين وهذا سائق الغربة يتبعة وقد حمل ما أرسلته الأسرة إلى الطالبين من الطرف والزاد ومن المحقق أن العشاء سيكون دسمآ هذه الليلة ، وأن الأصدقاء جميعآ سيشاركون فيه ,وأن الصبيين لن يخلوا لأنفسهما وأحاديثهما إلا حين يذهب القوم ليشهدوا درس الأستاذ الإمام .
    4- تغير حياة الصبى :-
    ولكن من المحقق أيضآ أن حياة الصبى قد تغيرت كلها منذ ذلك اليوم فذهبت عنع العزلة حتى رغب فيه أحيانآ وكثر عليه العلم حتى ضاق به أحيانآ أخرى .
    ملخص الفصل :
    ■ الوحدة تنتهي بقدوم ابن خالة الصبي وصديقه الحميم .
    ■ الصبي يشعر بالأرق ولكن أرق الليالي السابقة كان مصدره الوحدة القاسية والخوف والفزع والعزلة اللعينة ، أما أرق هذه الليلة فمحبوب ؛ لأن مصدره السرور والابتهاج بمجيء صديق حبيب إلى قلبه .

    س : لماذا وقع خبر حضور ابن الخالة من نفس الصبي موقعاً حسناً ؟
    جـ : لأن ابن خالته هذا كان رفيق صباه وصديقه الأثير (المفضّل) الذي يلعب معه ويخرج معه ، وكانت أمانيهما وأحلامهما مشتركة بالذهاب سوياً إلى الأزهر ليطلبا العلم ، كما أنه جاء في وقت صعب للصبي الذي كان في حاجة إليه فقد كان يعيش في وحدة قاسية وعزلة أزالها ابن الخالة عندما جاء إلى القاهرة .
    س : (وقد أقبل الليل وملأ الغرفة بظلمته ، ولكن الصبي لم يسمع للظلمة في تلك الليلة صوتاً ولا حديثاً ) ..    ماذا يقصد بصوت الظلمة هذا ؟
    جـ : يقصد بصوت الظلمة صوت حشرات الغرفة والحيوانات الصغيرة التي كانت تجوب الغرفة ليلاً ، وأصواتها مسموعة وحركاتها محسوسة تثير الفزع .
    س : " ولقد أرق (الأرق : عدم النوم)الصبي ليلته كلها ولكنه كان أرقاً ، فرحاً ، مبتهجاً .. "
    لماذا اختلف أرق هذه الليلة عن أرق الليالي السابقة ؟
    جـ : لأن أرق الليالي السابقة كان مصدره الوحدة القاسية والخوف والفزع والعزلة اللعينة ، أما أرق هذه الليلة فمحبوب ؛ لأن مصدره السرور والابتهاج بمجيء صديق حبيب إلى قلبه .
    س: كيف تغيرت حياة الصبي كلها منذ قدوم ابن خالته إلى القاهرة ؟
    جـ : ذهبت عنه العزلة القاسية حتى رغب فيها أحياناً وكثر عليه العلم حتى ضاق به أحياناً أخرى .

    عرض الأحداث :
    1-الصبى يقضى أكثر يومه فى الأزهر حتى يعود إلى الربع :-
    وأيسرما تغير من حياته المادية أنه هجر مجلسه من الغرفة على البساط القديم الذى بسط على الحصير البالى العتيق ، فلم يعرفه إلا حين يجلس للإفطار أو العشاء وحين كان يأوى إلى مضجعه حين يتقدم الليل وإنما كان يمضى يومه كله أو أكثره فى الأزهر وفيما حوله من المساجد التى كان يختلف فيها إلى بعض الدروس .
    2- تعرفه الربع وشئون أهله :-
    فإذا عاد إلى الربع لم يدخل الغرفة إلا ليتخفف من عباءته ثم يعود ليخرج منها ليجلس مع صاحبه على فراش ضيق من اللبد قد فرش أمامهما وأخذ أكثر الطريق إلى المارة فلم يخل لهم منه إلا موضع أقدام الرجل الواحد أو الرجلين وفى هذا المجلس كان الصبيان يلهوان بالحديث قليلآ وبالقراءة كثيرآ وقد يفزعان لما كان يجرى فى الطبقة السفلى من حركة وحديث يسمع أحدهما ويرى الأخر ويفسر لصاحبه ما لا يرى وكذلك عرف الصبى الربع أكثر مما كان يعرفه وعرف من شئون أهله أكثر مما كان يعرف وسمع من أحاديثهم أكثر مما كان يسمع عاش جهرة بعد أن كان يعيش سرآ ولكن حياته الخصبة الممتعة منذ أقبل عليه صديقه لكم تكن فى الغرفة ولا فى الربع وإنما كانت فى الأزهر نفسه فقد أستراح الصبى من درس الفجر وتلبث فى غرفته حتى يدنو درس الفقه .
    - خروج الصبى مع صديقه إلى الأزهر وخط سيرهم حتى الحسين
    فإذا حان وقت الدرس خرج مع صاحبه إلى الأزهر ، فسلكا الطريق نفسه التى كان يسلكها مع أخيه ولكنهما يسلكان متحدثين بالجد مرة وبالهزل مرة أخرى وقد ينحرفان عن حارة الوطاويط تلك الحارة القذرة ، إلى شارع شارع خان جعفر ذلك النظيف ويخلصان على كل حال إلى شارع سيدنا الحسين والغريب أن الصبى أن الصبى تعود منذ أقبل صديقه عليه ألا يمر بمسجد سيدنا الحسين ولا يدخلة إلا قرأ الفاتحة عوده صديقه هذه العادة فدأب عليها وقد تقدمت بهالسن واختلفت عليه أطوار الحياة وما يذكر أنه مر بمسجد سيدنا الحسين إلا وقرأ فى نفسه هذه السورة الكريمة من سور القرآن .
    4- كانا يأكلان طرائف الطعام والشراب فى أثناء سيرهما :-
    وكان أخو الصبى قد خصص له ولصاحبه مقدار يسيرآ من النقد ثمنآ لإفطارهما على ان يأخذا بعد درس الفقه جراية الشيخ الفتى من رواق الحنفية وكانت أربعة أرغفة فيأكلان منها رغيفين إذا أفطرا ويحفظان منها رغيفين للعشاء ومع أن هذا المقدار الذى خصص لهما من النقد قد كان يسيرآ ضئيلآ لا يتجاوز القرش الواحد فى كل يوم فقد عرفا كيف يحتالان وكيف يقتصدان ليمتعا أنفسهما ببعض ما كانت نفوسهم تتوق إليه من طرائف الطعام والشراب وما يمنعهما أن يغدوا ذات صباح مع الطير فإذا تجاوزا ذلك الباب المقفل من فجوته الضيقة وأستدارا ليأخذا طريقهما نحو الأزهر وقفا عند بائع البليلة فأخذ كل منهما قدرآ من هذا الطعام الذى كانا يحبانه أشد الحب لكثرة ما آكلا منه فى الريف ولكثرة ما كان يوضع عليه من السكر الذى يختلط بحباته الغلاظ ويذوب فى مائه الشديدالحرارة جدآ فلا يكاد أن يسيغانه حتى يطرد عنهما بقية النوم فى جسميهما النشاط ويثير فى أفواههما وأجوافهما لذة كانا يقدرانها قدرها ويهيئهما تهيئة صالحة لدرس الفقه يسمعان لحديث الشيخ وقد عمرت بطونهما ورءوسهما معآ وما يمنعهما إذا كانا فى شارع سيدنا الحسين أن يعطفا على هذا البائع أو ذاك فيجلسا على مجلس ضيق من الخشب قد ألقى عليه حصير ضيق أحيانآ ولم يلق عليه شئ أحيانآ أخرى ولكنه كان وثيرآ على كل حال ، لأن الجلوس كان يصحبه أنتظار لذة كانا يحبانها ويقدرانها لذة هذا التين المرطب الذى يقدم إليهما فى إناء صغير فيلتهمانه التهامآ ثم يعبان فى مائه عبآ ثم يأكلان ما كان تحته من زبيب فى أناه وهدوء وما يمنعهما حين يعودان قبل العصر أو بعيده أن يجورا على ثمن العشاء فيقفآ عند بائع الهريسة أو بائع البسبوسة ويرضيا لذتهما البريئة إلى هذا النوع من الحلوى أو ذاك وليس على أفطارهما ولا عشائهما بأس .
    5- الأفطار الشهى بالفول النابت ومرقته :-
    فأما الأفطار فكان أمره يسيرآ جدآ زيارة لبائع من هؤلاء الباعة الذين كانوا يعرضون الفول النابت ومعهما رغيفهما وهما يدفعآ إلى هذا البائع مليمين ونصف مليم وقد أشتريا بنصف مليم حزمة أو حزمتين من كراث وهذا البائع يقبل عليهما بإناء ضخم عميق قد أمتلأ مرقآ وسبحت فيه حبات من الفول وألقى عليه قلقل من الزيت فهما يغمسان خبزهما فى المرق ويتصيدان ما تيسر من حب ويلتهمان ما تحمله يدهما اليسرى إلى أفواههما من الكراث ، وما يبلغان أخر الرغيف وأخر الكراث حتى يبلغا حظهما من الطعام وقد امتلأ حتى كادا يكتظان ولكن فى الأناء بقية من مرق فكان الصبى يستحى فى أن يجيب صاحبه إلى ما يعرض عليه من شرب هذا المرق وكان صاحبه يضحك منه ويرفع الإناء فيعب فيه حتى يرده إلى البائع نظيفآ فقد أفطرا ولم ينفقا أكثر من ثلاثة مليمات وقد غنما ما طعما قبل الدرس وما عليهما الأن إلا أن يعودا إلى الأزهر ليرضيا عقولهما بعد أن رضيت أجسامهما .
    6- الحرص على حضور درس الفقه والنحو مع الشيخ المجدد والشيخ التقليدى :-
    وكان الصبى قد حرص كل الحرص على أن يواظب على درس شيخه المجدد المحافظ فى الفقه والنحو طاعة لأخيه من جهة وإرضاء لنفسه من جهة أخرى ولكنه كان شديد الطمع فى أن فى أن يسمه لغير هذا الشيخ وأن يذوق غير هذين اللونين من ألوان العلم وقد أتيح له ذلك غير مشقة ولا جهد بفضل هذه الدروس التى فى الضحا بعد أن يفرغ الطلاب من إفطارهم وقد قرر الصديقان أن يحضرا شرح الكفراوى وكان يلقى فى الضحا من كل يوم يلقيه شيخ جديد ولكنه قديم جديد فى الدرجة قديم فى الصلة بالأزهر وقد تقدمت به السن وطال عليه الطلب حتى ظفر بدرجته وبدأ كما كان يبأ أمثاله بقرأة شرح الكفراوى وكان الصبى يسمع من شيخه الأول ومن أخيه وأصحابه عبثآ كثيرآ بشرح الكفراوى وسخطآ كثيرآ عليه فكان ذلك يغريه به ويرغب فيه وما هى إلا أن يحضر الدرس الأول ويسمع الأوجه التسعة فى قراءة بسم الله الرحمن الرحيم وإعرابها حتى يفتن بهذا اللون من العلم ويكلف به أشد الكلف وإذا هو يواظب مع صاحه فى دقة على هذا الدرس من دروس النحو ويواظب فى دقة أيضآ على درسه القديم وكان يرى أنه يتعلم النحو فى درسه القديم وأنه يلهو بالنحو فى درسه الجديد وكان يلهو فى درسة الجديد حقآ يلهو بهذا الأعراب المتصل الذى ألح فيه الشارح على المتن إلحاحآ شديدآ
    7- ملامح شخصية شيخ النحو ومعاملته القاسية لطلابه :-
    ويلهو خاصة بالشيخ الذى كان يقرأ متنه وشرحه ويفسر ما يقرأ فى صوت غريب مضحك حقآ لم يكن يقرأ وإنما كان يغنى ولم يكن غناؤه يصعد من صدره وإنما كان يهبط من رأسه وكان صوته قد جمع بين خصلتين متناضضتين فكان أصم مكظومآ وكان ممتدآ عريضآ وكان الشيخ على ذلك من أهل الصعيد أو قل من أقصى الصعيد وكان قد أحتفظ بلهجته الإقليمية ولم يغير منها شئ لا فى الكلام ولا فى القراءة ولا فى الغناء وكان الشيخ على هذا كله غليظ الطبع يقرأ فى عنف ويسأل الطلاب ويرد عليهم فى عنف كان سريع الغضب لا يكاد يسأل حتى يشتم فإن ألح عليه السائل لم يعفه من لكمة إن كان قريبآ منه ومن رمية بحذائه أن كان مجلسه بعيدآ ، وكان حذاء الشيخ غليظآ كصوته جافيآ كثيابه فلم يكن يتخذ العباءة وإنما كان يتخذ الدفية وكان حذاء الشيخ غليظآ جافيآ وكانت نعلة قد ملئت بالمسامير وكان ذلك أمتن للحذاء وأمنع له من البلى ففكر فى الطلاب الذى كانت تصيبه مسامير هذا الحذاء فى وجهه أو فيما يبدو من جسمه ومن أجل هذا أشفق الطلاب من سؤال الشيخ وخلوا بينه وبين القراءة والتفسير والتقرير والغناء ومن أجل ذلك لم يضع الشيخ وقته ولا وقت الطلاب وبدأ سنته الدراسية بشرح الكفراوى ولم تنته هذه السنة حتى كان قد أتم شرح الشيخ خال إلا كتابآ واحدآ وعلى حين لم يكن ذلك الشيخ المجدد المحافظ لم يكن قد تجاوز بطلابخ القليلين الأبواب الأولى من النحو .
    8- أثر الشيوخ على حياة الصبى النحوية :-
    وكان لهذا كله أثرة فى حياه الصبى النحوية إن صح هذا التعبير فقد قضى إجازة الصيف وعاد إلى القاهرة فلم ير شيخه المحافظ المجدد وإنما سلك طريق غيره من الأزهريين فحضر فى الفقه شرح الطائى على الكنز وحضر فى النحو حاشية العطار على شرح الأزهرية ولكن من الخير ألا نتعجل الحوادث وأن نبقى مع صاحبنا فى سنته الأولى ، كان إذن يفرغ من درس الضحا فينتقل إلى درس الظهر ثم يعود إلى غرفته فيقرأ مع صاحبه مطالعآ دروس غد كما كان يفعل أصحاب الجد من الطلاب أو متنقلأ بين كتب مختلفة يفهم عنها أو لا يفهم .
    9- عشاء الصديقين مختلف حسبما يتبقى معهما من نقود :-
    فإذا دعيت الشمس إلى غروبها أقبل الصديقان على عشائهما وكان يختلف رقة وغلظآ باختلاف مابقى لهما من نقد فإن كان قد بقى لهما نصف القرش قسماه نصفين فاشتريا بنصفه شيئآ من الحلوى الطحنية وبنصفة الأخر شيئآ من الجبن وقطعة من الحلاوة ويريان لهذا المزيج الغريب طعمآ لذيذ وإن كانت البليلة أو التين قد أسرفا عليهما فى نقدهما فلم يبقى لهما منه إلا ربع القرش إشتريا بما تبقى لهما شيئآ من الطحينة ثم صبا عليها شيئآ من عسل أسود أو أبيض كان يأتيهما من الريف ثم أقبلا على عشاء ليس بالفخم ولكنه لا بأس به فإن جارت البليلة أو التين أو كلاهما على نقدهما فلم يبقيا منه شيئآ فليس عليهما من بأس لقد حفظا رغيفيهما وفى الغرفة هذه الصحفية أو تلك فى هذه العسل الأسو وفى تلك العسل الأبيض فليأخذا من هذا العسل شيئآ وليغمسا فيه رغيفهما فذك يجزئ عما كانا يجدان فى الحلاوة والجبن والطحينة من ترف وربما أباحا لأنفسهما على هذا البؤس شيئآ من ترف فغمسا رغيفيهما الأول وقد أقتسماه فى العسل الأسود ثم غمسا رغيفيهما الثانى وقد أقتسماه أيضآ فى العسل الأبيض .
    10- حضور درس المنطق بعد صلاة المغرب كالكبار :-
    وقد جعلت الشمس تسرع إلى غروبها وكاد المؤذن يصعد إلى مئذنته فاليسر الصديقان إذا إلى الأزهر فهما يحضران درسآ بعد صلاة المغرب كما يفعل هؤلاء الكبار هما يحضران درسآ فى المنطق يحضران متن السلم للأخضرى ومن الحق أنهما كانا يحضران هذا الدرس على شيخ كان يرى نفسه عالمآ وإن لم يعترف له الأزهر بالعالمية طال عليه الوقت وأشتدد إلحاحه فى طلب الدرجة فلم يظفر بها ولكنه لم ييئس منها ولم يرض بحكم الممتحنين فيه فجعل يطاولهم من جهة ويغيظهم من جهة أخرى ،يطاولهم بحضور الدرس والتقدم للأمتحان ويغيظهم بالجلوس إلى أحد الأعمدة إذا صليت المغرب ومن حوله جماعة من الطلاب وهو يقرأ لهم كتابآ فى المنطق كما يقرأ العلماء الممتازون  فلم يكن يهجم على تعاليم المنطق إلا هؤلاء العلماء الممتازون .
    11- شخصية شيخ المنطق وصفاته العلمية :-
    ومن الحق أن هذا الطالب الشيخ لم يكن بارعآ فى العلم ولا ماهرآ فى التعليم وأن جهله وعجزه كانا يظهران حتى لهؤلاء التلاميذ المبتدئين ومن الحق أنه كان من أقصى الصعيد وكان محتفظآ بلهجته كما عرفها قلب أن يقبل إلى الأزهر ولم يكن يغير منها شيئآ فى قراءته وحديثه ومن الحق آخر الأمر أنه كان سريع الغضب شديد الحدة ولكنه لم يكن يشتم التلاميذ ولا يضربهم أو لم يكن يجرؤ على شتم التلاميذ أو ضربهم فما ينبغى ذلك إلا للعالم حقآ وصدقآ الذى نال الدرجة ونال معها الإذن الضمنى بشتم التلاميذ أو ضربهم كل هذا كان حقآ وكل هذا سمعه الصديقان من أولئك الطلاب الكبار ولكنه لم يمنعهما من حضور الدرس والمواظبة عليه ليقولا لأنفسما إنما يدرسان المنطق وليقولا لأنفسهما إنهما يذهبان إلى الأزهر بعد صلاة المغرب ويعودان منه بعد صلاة العشاء كما يفعل البطلاب الكبار المتقدمون .
    12- أقلبت الأجازة والصبى يفكر فى البقاء فى القاهرة :-
    وما أسرع ما ،نقضت السنة الأولى وما أسرع ما ختمت دروس الفقه والنحو وما أسرع ما دعى التلاميذ إلى التفرق ثن إلى الرحيل ثم ينفقون الصيف بين أهلهم فى المدن والقرى وما أشد ما كان الصبى يتشوق إلى هذه الأجازة ويتحرق حنينآ إلى الريف ولكن الأجازة قد أقبلت وإذا هو يريد أن يمتنع عن الرحيل وأن يبقى فى القاهرة أكان صادقآ فى هذا التمنع أمكان متكلفآ له كان صادقآ وكان متكلفآ معآ ، كان صادقآ لأنه أحب القاهرة وكلف بها وشق عليه فراقها وقد كره الرحيل دائمآ وكان متكلفآ فقد كان أخوه يقضى أكثر أجازاته فى القاهرة فكانت الأسرة تكبر منه ذلك وتراه آية جد وأجتهد وكان يريد أن يصنع صنع أخيه وأن يظن به ما كان يظن بأخيه ولكن تمنعه لم يغن عنه شيئآ .
    13- الصبى يذهب مع صاحبه إلى قريته فى الريف :-
    وها هو ذا يركب مع صاحبه عربة من عربات النقل ومعهما ثيابهما وقد لفت فى حزمتين وقد بلغ المحطة وأخذت لهما تذكرتان ثم دفعتا إليهما ثم وضعا فر عربة مزدحمة من عربات الدرجة الثالثة ثم تحرك القطار ولم يكد يمضى قليلآ ويبلغ محطة بعد القاهرة حتى نسى الصديقان أزهرهما وقاهرتهما وربعهما ولم يذكروا إلا شيئآ واحدآ وهو الريف وما سيكون من لذة ونعيم .
    ملخص الفصل :
     ■ هجر الصبي مجلسه من الغرفة على البساط القديم إلا عند الإفطار والعشاء وكان يقضي يومه كله في الأزهر وفيما حوله من المساجد كذلك عرف الصبي الربع أكثر مما كان يعرفه ، عاش جهرة بعد أن كان يعيش سراًً .
    ■ ولقد خصص له أخوه قرشاً واحداً كل يوم مع أربعة أرغفة ومن هذين كانت حياة الصبي وابن خالته . فها هما عند بائع البليلة وفي شارع سيدنا الحسين يجلسان على حصير وثير (مريح) لتناول التين المرطب يلتهمانه التهاماً ثم يكون اللقاء عند بائع البسبوسة أو الهريسة .
    ■ فأما الإفطار فزيارة لبائع الفول النابت يدفعان له مليمين ونصف المليم مع حزمتين من الكراث . يأكل الطفلان ويشرب ابن خالته ويرفض الصبي شرب ماء الفول استحياء .
    ■ ولقد كان الصبي حريصاً على حضور دروس شيخه المجدد المحافظ في الفقه والنحو ويواظب على درسه القديم في النحو يتعلم ، وعلى درسه الجديد يلهو بالنحو ولقد كان شيخه غليظاً يضرب طلابه بالحذاء من أجل هذا أشفق الطلاب من سؤاله وتركوه وشأنه ولذلك انتهى من شرح كتابه سريعاً .
    ■ وحرصاً علي تقليد الكبار كان الصبيان يحضران درساًً في المنطق بعد صلاة المغرب على يد شيخ لم يحصل على العالمية ولم يكن بارعاً في العلم ولا ماهراً في التعليم .
    ■ وعندما أقبل الصيف رغب الصبي في البقاء بالقاهرة وعدم العودة إلى الريف كما كان يفعل أخوه ولكنه عاد في النهاية .

    س : اتسعت دائرة الحياة عند الصبي بعد قدوم ابن خالته . وضِّح .
    جـ : بالفعل فقد هجر الغرفة التي كان يبقى فيها وحيداً وأصبح لا يراها إلا حين كان يجلس للإفطار أو العشاء وحين كان يأوي إلى مضجعه - أصبح يقضي يومه كله أو أكثره في الأزهر وفيما حوله من المساجد التي كان يختلف (يتردد) فيها إلى بعض الدروس .
    س : لماذا عرف الصبي الربع أكثر مما كان يعرفه قبل أن يأتي ابن خالته ؟ وأين كانت حياته الممتعة؟
    جـ : لأنه أصبح يرى بعيني ابن خالته ما لم يكن يراه ، وعرف من شئون أهل الربع أكثر مما كان يعرف وسمع من أحاديثهم أكثر مما كان يسمع وعاش جهرة بينهم بعد أن كان يعيش سراً - أما حياته الخصبة الممتعة فكانت في الأزهر.
    س : ما العادة التي التزمها الصبي منذ أقبل ابن خالته إلى القاهرة ؟
    جـ : العادة هي : قراءة الفاتحة كلما مر بمسجد سيدنا الحسين .
    س: ما مصروف الصبيين اليومي ؟ وما الجراية التي كان يأخذها الشيخ الفتى ويعطيها لهما ؟
    جـ : كان قرشاً واحداً ، والجراية كانت أربعة أرغفة . [الجراية : طعام مخصص لطلاب الأزهر]
    س : كان الصبيان يحرصان على إرضاء أجسامهما أولاً . فماذا كانا يفعلان ؟
    جـ : كانا في الصباح يقفان عند بائع البليلة فيأخذان منه قدراً من هذا الطعام الذي كانا يحبانه ثم يأكلان التين المرطب ، قبيل العصر يقفان عند بائع الهريسة أو بائع البسبوسة ليرضيا لذاتهما البريئة إلى هذا اللون من الحلوى .
    س : لماذا كان الصبي يحرص على أن يقبل على درس شيخه المجدد المحافظ في الفقه والنحو ؟
    جـ : حرصاً على طاعة أخيه من جهة ، وإرضاء لنفسه من جهة أخرى ، ولكنه كان شديد الطمع في أن يسمع لغير هذا الشيخ
    س : بمَ وصف الكاتب شيخ النحو الثاني الذي يشرح الكفراوي في الأزهر ؟
    جـ : كان يقرأ في صوت غريب مضحك ، فهو لم يكن يقرأ وإنما كان يغني وكان الشيخ على هذا كله غليظ الطبع يقرأ في عنف ويسأل الطلاب ويرد عليهم في عنف وكان سريع الغضب ، لا يكاد يسأل حتى يشتم فإن ألح عليه السائل لم يعفه من لكمة إن كان قريباً منه ، ومن رمية بحذائه إن كان مجلسه منه بعيداً. وكان حذاء الشيخ غليظاً كصوته جافياً كثيابه .
    س : " ومن أجل ذلك أشفق الطلاب من سؤال الشيخ وخلّوا بينه وبين القراءة والتفسير .. "  لماذا أشفق الطلاب من سؤال الشيخ ؟
    جـ : وذلك ليتجنبوا إيذاءه وضربه وشتمه المتكرر ، فقد كان سريع الغضب .
    س : علل : حضور الصبيين درس المنطق رغم ضعف الشيخ علمياً .
    جـ : ليقولا لأنفسهما إنهما يدرسان المنطق ، وليقولا لأنفسهما إنهما يذهبان إلى الأزهر بعد صلاة المغرب ويعودان منه بعد صلاة العشاء كما يفعل الطلاب الكبار .
    س: كيف وصف الكاتب معلم درس المنطق ؟
    جـ : كان من أقصى الصعيد محتفظاً بلهجته وكان سريع الغضب شديد الحدة لكنه كان يرى أنه لا ينبغي للعالم حقاً شتم التلاميذ وضربهم , وكان يشرح للطلاب متن السُّلَّم للأخضري وكان يرى نفسه عالماً وإن لم يعترف الأزهر له بالعالمية التي لم يستطع أن يظفر بها وفي الواقع لم يكن بارعاً في العلم ولا ماهراً في التعليم فجهله وعجزه ظاهران للطلاب.
     س : علل : رغبة الصبي في قضاء الإجازة في القاهرة .
    جـ : لأنه أحب القاهرة وأصبح لا يطيق البعد عنها ، كما أنه أراد أن يصنع ما يصنعه أخوه - الذي يقضي أكثر إجازاته في القاهرة - فيحظى بما كان أخوه يحظى به من تقدير والديه ؛ لأن ذلك في نظرهما دليل جد واجتهاد ، ولكنه في نهاية الأمر ركب القطار مع صاحبه فنسي الأزهر والربع والقاهرة ولم يتذكر إلا لذة ونعيم الريف .

    عرض الأحداث:
    1- وصول الصبى وأبن خالته دارهما وكانت كالعهد بها :-
    وكانت العشاء قد صليت حين نزل الصبيان من القطار فلم يجدا فى المحطة أحدآ فأنكرا ذلك شيئآ ولكنهما وصلا إلى الدار ، فإذا كل شئ يجرى فيها كما كانت تجرى الأمور فى كل يوم قد فرغت الأسرة من عشائها منذ وقت طويل وأتم الشيخ صلاته ثم خرج كعادته فجلس مع أصحابه غير بعيد من الدار وتناوم الصبية وجعلت أختهم الصغرى تحملهم واحدآ واحدآ إلى مضاجعهم واضطجعت أم الصبى على فراش من اللبد يحي السماء تستريح والنوم يلم بها ثم يصرف عنها ومن حولها بناتها قد جلسن يتحدثن كعادتهن فى كل ليلة حتى يقضى الشيخ سمره القصير ثم يعود إلى الدار فتأوى الأسرة كلها إلى مضاجعها ويشمل الدار سكون وهدوء لا يقطعهما إلا تنابح الكلاب وتصايح اليكة فى داخل الدار وفى أطراف القرية فلما دخل الصبيان وجمت الأسرة لدخولهما ولم تكن قد أنبئت بعودتهما فلم تعد لهما عشاء خاصآ ولم تنتظرهما بالعشاء المألوف ولم ترسل أحدآ لتلقيهما عند نزولهما من القطار .
    2- الأسرة تستقبل الصبى بفتور أحزنه :-
    وكذلك أضيع على الصبى ما كان يدير فى نفسه من الأمانى وما كان يقدر من أنه سيستقبل كما كان أخوه الشيخ فى أبتهاج وحفاوةى وأستعداد عظيم على أن أمه نهضت وقبلته ونهضت إليه أخواته فضممنه إليهن وقدم إليه وإلى صاحبه عشاء كعشائهما فى القاهرة وأقبل الشيخ فأعطى أبنه يده ليقبلها ثم سأله عن أخيه فى القاهرة وأوت الأسرة كلها إلى مضاجعها ونام الصبى فى مضجعه القديم وهو يكتم فى صدره كثيرآ من الغيظ وكثيرآ من خيبة الأمل أيضآ .
    3- أصبحت حياة الصبى فى القرية كما هى قبل ذهابه للأزهر :-
    ومضت الحياة بعد ذلك فى الدار والقرية كما كانت تمضى قبل أن يذهب الصبى إلى القاهرة ويطلب العلم فى الأزهر ، وكأنه لم يذهب إلى القاهرة ولم يجلس إلى العلماء ولم يدرس الفقه والنحو والمنطق والحديث وإذا هو مضطر كما كان يضطر من قبل أن يلقى سيدنا بالتحية والإكرام ويقبل يده كما كان يفعل من قبل ويسمع منه كلامه الفارغ الكثير كما كان يسمعه من قبل وإذا هو مضطر إلى أن يذهب بين وقت وأخر إلى الكتاب لينفق الوقت وإذا التلاميذ يلقونه كما كانوا يلقونه قديمآ لا يكادون يشعرون بأنه غاب عنهم ولا يكادون يسألونه عما رأى أو سمع فى القاهرة ولو قد سألوه لخبرهم بالكثير وأكثر من هذا كله أنه لم يقبل أحد من أهل القرية على الدار ليسلم على الصبى الشيخ بعد أن عاد من إليها وقد غاب عنها سنه دراسية كاملة ، وإنما كان يلقاه منهم هذا الرجل أو ذاك فيلقى عليه السؤال فى فتور ها أنت ذا؟ أعدت من القاهرة؟كيف أنت؟ ثم يلقى عليه هذا السؤال الآخر معنيآ به رافعآ به صوته وكيف تركت أخاك الشيخ وقد أستقر إذن فى نفس الصبى أنه ما زال كما كان قبل رحلته إلى القاهرة قليل الخطر ضئيل الشأن لا يستحق عناية به ولا سؤالآ عنه فأذى ذلك غروره وقد كان غروره شديدآ وزاده ذلك إمعانآ فى الصمت وعكوفآ على نفسه وأنصرافآ إليها .
    4- تمرد الصبى على والده وأهل قريته لتوسلهم بالأنبياء والأولياء :-
    ولكنه لم يكد يمضى أيامآ بين أسرته واهل قريته حتى غير رأى الناس فيه ولفتهم لإليه لا لفت عطف ومودة ولكن لفت إنكار وإعراض وإزورار فقد أحتمال من اهل القرية ما كان يحتمل قديمآ يومآ ويومآ وأيامآ ولكنه لم يطق على ذلك صبرآ وإذا هو ينبو على ما كان يألف وينكر ما كان يعرف ويتمرد على ما كان يظهر لهم الإذعان والخضوع كان صادقآ فى ذلك أول الأمر فلما أحس بالإنكار والإزورار والمقاومة تكلف معاند وغلا فى الشذوذ ولو وقف الأمر عند هذا الحد لأستقامت الأمور ولكن صاحبنا سمع أباه يقرأ دلائل الخيرات كما كان يفعل دائمآ إذا فرغ من صلاة الصبح أو من صلاة العصر فرفع كتفيه وهز رأسه ثم ضحك ثم قال لإخواته إن قراءة الدلائل عبث لا غناء فيه فأما الصغار من إخوته وأخواته فلم يفهموا عنه ولم يلتفتوا إليه ، ولكن أخته الكبرى زجرته زجرآ عنيفآ ورفعت بهذا الزجر صوتها فسمعها الشيخ ولم يقطع قراءتة ولكنه مضى فيها حتى أتمها ثم أقبل على الصبى باسمآ يسأله ماذا كان يقول فأعاد الصبى قوله فلما سمعه الشيخ هز رأسه وضحك ضحكة صغيرة قال لأبنه فى إزدراء ما أنت وذاك هذا ما تعلمته فى الأزهر فغضب الصبى وقال لأبيه نعم وتعلمت أن كثيرآ ما تقرؤه فى هذا الكتاب حرام يضر ولا ينفع فما ينبغى ان يتوسل إنسان بالأنبياء ولا بالأولياء وما ينبغى أن يكون بين الله والناس واسطة وإنما هذا لون من الوثنية .
    5- غضب والده منه وتهديده له :-
    هنالك غضب الشيخ غضبآ شديدآ ولكن كظم غيظه وأحتفظ بأبتسامته وقال فأضحك الأسرة كلها إخرس قطع الله لسانك لا تعد هذا الكلام وأنى أقسم لئن فعلت لأمسكنك فى القرية ولأقطعنك عن الأزهر ولأجعلنك فقيهآ تقرأ القرآن فى المآتم والبيوت ثم إنصرف وتضاحكت الأسرة من حول الصبى ولكن هذه القصة على قسوتها الساخرة لم تزد صاحبنا إلا عنادآ وإصرارآ .
    6- الوالد يسأل عن أخيه الأزهرى والصبى يجيبه أحيانآ فى دهاء :-
    وقد نسيها الشيخ بعد ساعات وأقبل على عشائه ومن حولة أبناؤه وبناته كعادته وجعل يسأل الصبى عن الشيخ الفتى ماذا ىصنع فى القاهرة وماذا يقرأ من الكتب وعلى من يختلف من الأساتذة كان الشيخ يجد لذة عظيمة فى إلقاء هذه الأسئلة وفى الأستماع لأجوبتها ، كان يلقيها على أبنه الشيخ الفتى إذا عاد إلى القرية فيجيبه متكلفآ أول الأمر فإذا أعيدت أعرض الفتى عن أبيه وبخل عليه بالجواب ولم يكن أبوه ينكر ذلك منه جهرة ولكنه كان يتأذى به ويشكو منه لزوجته إذا خلا إليها ، فأما الصبى كان سمحآ طيعآ لا يعرض عن أبيه ولا يمتنع عن أجابته ولا يدركه السأم مهما تكرر الاسئلة ومهما يكن موضوعها وكان الشيخ من أجل ذلك يحب أن يسأله ويستمتع بالحديث إليه أثناء العشاء وأثناء الغداء ولعله كان يعيد على أصحابه بعض ما كان أبنه يقص عليه من زيارات الشيخ الفتى للأستاذ الإمام والشيخ بخيت ومن أعتراض الشيخ الفتى على أساتذته فى أثناء الدرس وإحراجه لهم وردهم عليه بالعنف والشتم والضرب أحيانآ وكان الصبى يشعر بلذة أبيه لهذه الأحاديث ورضاه عنها فيتزيد ويتكثر ويخترع منها ما لم يكن يحفظ ذلك فى نفسه ليقصه على أخيه عندما يعود إلى القاهرة وكان الشيخ بهذا كله سعيدآ وله مغتبطآ وعلى تجديده حريصآ فلما جلست الأسرة للعشاء فى تلك الليلة وجدد الشيخ أسئلته عن أبنه الفتى ماذا يصنع فى القاهرة وماذا يقرأ من الكتب قال الصبى فى دهاء وخبث وكيد انه يزور قبور الأولياء وينفق نهاره فى قراءة دلائل الخيرات ولم يكد الصبى ينطق بهذا الجواب حتى أغرقت الأسرة كلها فى ضحك شديد شرق له الصغار بما كان فى أفواههم من طعام وشراب وكان الشيخ نفسه أسرعهم إلى الضحك وأشدهم إغراقآ فيه .
    7- نقد الصبى للتوسل بالأنبياء يخرج من الأسرة إلى القرية ومشايخها :-
    وكذلك أستحال نقد الصبى لأبيه من قراءته للدلائل والأوراد موضوعآ للهو الأسرة وعبثها أعوامآ وأعوامآ والظريف ان هذا النقد كان يحفظ الشيخ حقآ ويؤذيه فى نفسه وفيما ورث من عادة وأعتقاد ولكن الشيخ على ذلك يدعو أبنه إلى هذا النقد ويغريه به ويجد فى هذا الألم لذة ومتاعآ ومهما يكن من شئ فإن شذوذ الصبى لم يلبث أن تجاوز الدار إلى مجلس الشيخ قريبآ منها وإلى دكان الشيخ محمد عبد الواحد وإلى المسجد حيث كان الشيخ محمد أبو أحمد رئيس الفقهاء فى المدينة يقرئ القرآن للصبية والشباب ويصلى بالناس فى أثتاء الأسبوع ويفقههم فى دينهم أحيانآ حيث كان الشيخ عطية رجل من التجار الذين طلبوا العلم فى الأزهر أعوامآ ثم عادوا إلى الريف فاشتغلوا بأمرو الدنيا ولم ينصرفوا عن أمور الدين يجلس للناس بعد صلاة العصر من حين إلى حين فيعظهم ويفقههم وربما قرأ لهم شيئآ من الحديث .
    8- موقف شيوخ القرية من إنكار الصبى للتوسل :-
    بل وصل شذوذ الصبى إلى المحكمة الشرعية فسمعه القاضى وسمعه خاصة ذلك الشيخ الذى كان يكتب للقاضى ويرى أنه أعلم من القاضى بالشرع وأفقة منه بالدين وأحق منه بالقضاء ، لولا أنه لم يظفر بهذة الورقة التى تسمى العالمية والتى تشترط لتولى منصب القضاء والتى تنال بالجد والأجتهاد قليلآ وبالحظ والتملق فى أكثر الأحيان تسامع هؤلاء الناس جميعآ بمقالات هذا الصبى وإنكاة لكثير مما يعرفون وإستهزائه بكرمات الأولياء وتحريمه التوسل بهم وبالأنبياء وقال بعضهم لبعض أن هذا الصبى ضال مضل ثم ذهب إلى القاهرة فسمع مقالات الشيخ محمد عبده الضارة وآراءة الفاسدة المفسدة ثم عاد بها إلى المدينة ليضلل الناس وربما سعى بعضهم إلى مجلس الشيخ وأصحابه قريبآ من الدار وطلبوا أن يريهم أبنه ذلك الشاذ الغريب فيقبل الشيخ هادئآ باسمآ حتى يدخل الدار فيجد أبنه آخذآ فى اللعب أو الحديث مع أخواته فيأخذه فى يدع فى رفق ويقوده إلى مجلسه فإذا سلم على القادمين أجلسه ثم أخذ بعض القادمين فى التحدث إليه رفيقآ أول الأمر فإذا أتصل الحديث ذهب الرفق وقام مقامه الحوار العنيف وكثيرآ ما كان محاور الصبى ينصرف غاضبآ متحرجآ يستغفر الله من الذنب العظيم ويستعيذ به من الشيطان الرجيم .
    9- والد الصبى مسرور من حوار الصبى وجداله حول نقده:-
    وكان الشيخ وأصحابه من الذين لم يدرسوا فى الأزهر ولم يتفقهوا فى الدين يرضون عن هذه الخصومات ويعجبون بها ويبتهجون لهذا الصراع الذى كانوا يشهدونه بين هذا الصبى الناشئ و هؤلاء الشيوخ الشيب وكان أبو الصبى أشدهم غبطة وسرورآ ومع أنه لم يصدق قط أن التوسل بالأولياء والأنبياء حرام ولم يطمئن قط إلى عجز الأولياء عن إحداث الكرامات ولم يسلسر قط أبنه فيما كان يقول من تلك المقالات فقد كان يحب ان يرى أبنه محاورآ مخاصمآ ظاهرآ على محاوريه ومخاصميه وكان يتعصب لأبنه تعصبآ شديدآ وكان يسمع ويحفظ ما كان الناس يتحدثون به ويخترعونه أحيانآ من أمر هذا الصبى الغريب ثم يعود مع الظهر أو مع المساء فيعيد ذلك كله على زوجته راضيآ حينآ وساخطآ حينآ أخر .
    10- خروج الصبى من عزلته بعد أن شغل الناس بالتفكير فى نقده :-
    وعلى كل حال فقد أنتقم الصبى لنفسه وخرج من عزلته وشغل الناس فى القرية والمدينه بالحديث عنه والتفكير فيه وتغير مكانه فى الأسرة مكانه المعنوى أن صح التعبير فلم يهمله أبوه ولم تعرض عنه أمه وأخواته ولم تقم الصلة بينهم وبينه على الرحمة والأشفاق بل على شئ أكثر وأكثر عند الصبى من الرحمة والأشفاق .
    11- تغير موقف والده منه وموافقته على عودته للأزهر :-
    وأنقطع ذلك النذير الذى سمعه الصبى فى أول الأجازة بأنه قد يبقى فى القرية ويقطع عن الأزهر فقيهآ يقرأ القرآن فى المآتم والبيوت آية ذلك أنه أصبح ذات يوم فنهض فى الفجر ونهضت الأسرة كلها مع الفجر أيضآ ورأى الصبى نفسه بين ذراعى أمه وهى تقبله وتذرف دموعآ صامته ثم رأى الصبى نفسه فى المحطة مع صاحبه وأبوه يجلسه فى القطار رفيقآ به ثم يعطيه يده ليقبلها ثم ينصرف عنه وهو يسأل الله أن يفتح عليه .
    12- الفتى يعود إلى القاهرة وأخوه فى أنتظاره مرحبآ به :-
    ورأى الصبى نفسه يعبث مع صاحبه أثناء السفر ثم رأى الصبى نفسه ينزل من القطار فى محطة القاهرة وإذا أخوه يتلقاه مبتسمآ له ثم يدعو حمالآ ليحمل ما كان معه من متاع قليل وزاد كثير فإذا تجاوز باب المحطة دعا عربة من عربات النقل فحمل عليها الزاد وصاحب أخيه ثم عربه أخرى من عربات الركوب فأجلس فيها أخاه رفيقآ به جلس عن يمينه وأعطى السائق عنوان الربع .
    ملخص الفصل :
    ■ الصبي استُقْبِل في البلدة استقبالاًً فاتراًً فلم يجد من يستقبله في المحطة فشعر بخيبة أمل كبيرة وكتم في صدره كثيراً من الغيظ .
    ■ الصبي يتمرد على آراء أهل البلدة ومعتقداتهم التي كانوا يؤمنون بها والتي قد توارثوها عن الآباء والأجداد ؛ لأنها في رأيه لا تتفق مع تعاليم الدين الإسلامي .
    ■ غضب الأب من آرائه غضباً شديداً ولكنه كظم غضبه واحتفظ بابتسامته ولكن الصبي يصر على آرائه .
    ■ أهل القرية رأوا أن مقالات الشيخ محمد عبده ضارة وآراءه فاسدة مفسدة وأنه أفسد هذا الصبي وجعله ضالاً مضلاً عاد إلى المدينة ليضلل الناس .
    ■ الأب فَرِح بابنه - على الرغم من رفضه لآرائه - فهو يحب أن يرى ابنه محاوراً مخاصماً ظاهراً (متفوقاً) على محاوريه ومخاصميه ، وكان يتعصب لابنه تعصباً شديداً.

    س : كيف استُقْبِل الصبي الشيخ حينما وصل إلى قريته لقضاء الإجازة ؟ وما أثر ذلك الاستقبال في نفسه ؟
    جـ : لقد استُقْبِل استقبالاً فاتراً فلم يجد من يستقبله في المحطة ، وعندما وصل إلى الدار مع صاحبه وجمت (سكتت) الأسرة لدخولهما ولم يلقيا الترحيب والحفاوة كما كان يستقبل أخوه الشيخ في ابتهاج وحفاوة واستعداد عظيم .
    - أثره في نفسه : شعر بخيبة الأمل الكبيرة ، وكتم في صدره كثيراً من الغيظ .
    س : كيف كان الصبي يلقى سيدنا ؟
    جـ : كان يلقى سيدنا بالتحية مضطراً ، ويقبل يده كما كان يفعل من قبل ويسمع منه كلامه الفارغ الكثير كما كان يسمعه من قبل . فقد كان لا يحمل له أي تقدير أو حب .
    س : تحدث عن استقبال أهل القرية للصبي الشيخ .
    جـ : لم يقبل أحد من أهل القرية على الدار ليسلم على الصبي الشيخ بعد أن عاد إليها وقد غاب عنها سنة إنما كان يلقاه منهم هذا الرجل أو ذاك ، في فتور (برود × حفاوة) وإعراض (تجاهل × حفاوة) وإذا حدثوه فللسؤال عن أخيه الشيخ فقط فهو بلا قيمة في نظرهم ، فآذى ذلك غروره ، وقد كان غروره شديداً ، وزاده ذلك إمعاناً في الصمت وعكوفاً على نفسه وانصرافاً إليها .
    س : كيف لفت الصبي انتباه أسرته وأهل قريته إليه وغيَّر رأيهم فيه ؟
    جـ : وذلك بأن بدأ يتمرد على آرائهم ومعتقداتهم التي كانوا يؤمنون بها وقد توارثوها عن الآباء والأجداد ؛ لأنها في رأيه لا تتفق مع تعاليم الدين الإسلامي وبذلك غير رأي الناس فيه ولفتهم إليه ، لا لفت عطف ومودة ولكن لفت إنكار وإعراض وازورار.
    س : لماذا أنكر الصبي على أبيه قراءة (دلائل الخيرات) ، وزيارة القبور والأولياء ؟
    جـ : لأنه لا فائدة منها ولا تتفق مع تعاليم الدين الإسلامي ، ولا ينبغي أن يتوسل (يتشفع ، يتقرب) إنسان بالأنبياء ولا بالأولياء ، وما ينبغي أن يكون بين الله وبين الناس واسطة ، وإنما هذا لون من الوثنية .
    س : ماذا كان رد فعل الأب على هذا الكلام ؟
    جـ : غضب الشيخ غضباً شديداً ولكنه كظم غضبه واحتفظ بابتسامته وقال فأضحك الأسرة كلها من الصبي : (اخرس قطع الله لسانك ، لا تعد إلى هذا الكلام . وإني أقسم لئن فعلت لأمسكنك في القرية ، ولأقطعنك عن الأزهر ولأجعلنك فقيهاً تقرأ القرآن في المآتم والبيوت) . ثم انصرف وتضاحكت الأسرة من حول الصبي .
    س : كان الأب قاسياً على الصبي . فماذا كان رد فعل الصبي على هذه القسوة ؟
    جـ : لم تزد هذه القصة على قسوتها الساخرة صاحبنا إلا عناداً وإصراراً على آرائه .
     س : لماذا كان الشيخ يكثر من السؤال للصبي عن أحوال ابنه الشيخ الفتى ؟
    جـ : لأن الأب كان يجد لذة عظيمة في إلقاء هذه الأسئلة وفي الاستماع لأجوبتها ؛ ليعيد على أصحابه بعض ما كان ابنه يقص عليه من زيارات ابنه الشيخ الفتى للأستاذ الإمام والشيخ بخيت ومن اعتراض الشيخ الفتى على أساتذته في أثناء الدرس وإحراجه لهم ، وردهم عليه بالعنف وبالشتم وبالضرب أحياناً .
    س : ماذا كان موقف أهل القرية من آراء ومقالات الشيخ محمد عبده ؟ ولماذا ؟
    جـ : رأوا أن مقالات الشيخ محمد عبده ضارة وآراءه فاسدة مفسدة ، وتعاليمه باطلة ؛ لأنها هدمت كل معتقداتهم الخاطئة المتوارثة عن الأجيال السابقة وأنه أفسد هذا الصبي وجعله ضالاً مضلاً عاد إلى المدينة ليضلل الناس .
    س : ما تأثير آراء الصبي وهو يجادل الشيوخ الشيَّب على الأب الشيخ وأصحابه ؟
    جـ : وكان الشيخ وأصحابه من الذين لم يدرسوا في الأزهر ولم يتفقهوا في الدين يرضون عن هذه الخصومات ويعجبون بها ، ويبتهجون لهذا الصراع الذي كانوا يشهدونه بين هذا الصبي الناشئ وهؤلاء الشيوخ الشيَّب . وكان أبو الصبي أشدهم غبطة وسروراً. ومع أنه لم يصدق قط أن التوسل (التشفع ، التقرب) بالأولياء والأنبياء حرام ولم يطمئن قط إلى عجز الأولياء عن إحداث الكرامات (الأمور الخارقة للعادة) ، ولم يساير (يجاري) قط ابنه فيما كان يقول من تلك المقالات فقد كان يحب أن يرى ابنه محاوراً مخاصماً ظاهراً (متفوقاً) على محاوريه ومخاصميه وكان يتعصب لابنه تعصباً شديداً.
    س : كيف انتقم الصبي لنفسه من التجاهل الذي شعر به في بداية مجيئه للقرية ؟
    جـ : انتقم لنفسه بأن شغل الناس في القرية والمدينة بالحديث عنه والتفكير فيه ، وتغير مكانه في الأسرة ، مكانه المعنوي إن - صح هذا التعبير - فلم يهمله أبوه ، ولم تعرض عنه أمه وأخوته ، ولم تقم الصلة بينهم وبينه على الرحمة والإشفاق بل على شيء أكثر وآثر (أفضل) عند الصبي من الرحمة والإشفاق (أي التقدير).
    س: كيف انقطع النذير (تهديد الأب له) الذي هدد الفتى أول الإجازة ببقائه في القرية ؟
    جـ : بأن الأسرة نهضت مع الفجر تودعه وها هو يستقل القطار مع صاحبه إلى القاهرة .

    عرض الأحداث :
    1-علم الشيخ الشنقيطى المنوع ورأيه الغريب فى صرف كلمة عمر :-
    لم يكد الصبى يبلغ القاهرةويستفر فيها حتى سمع ذكر الأدب والأدباء كما سمع العلم والعلماء سمع حديث الأدب بين هؤلاء الطلاب الكبار حين كانوا يذكرون الشيخ الشنقطى رحمه الله وحماية الأستاذ الإمام له وبره به وقد وقع هذا الأسم الأجنبى من نفس الصبى موقعآ غريبآ وزاد موقعه غرابة ما كان الصبى يسمعه من أعاجيب الشيخ وأطواره الشاذة وآرائه التى كانت تضحك قومآ وتغضب قومآ أخرين كان أولئك الطلاب الكبار يتحدثون بأنهم لم يروا قط ضريبآ للشيخ الشنقيطى فى حفظ اللغة ورواية الحديث سندآ ومتنآ عن ظهر قلب وكانوا يتحدثون بحدته وسرعته إلى الغضب وأنطلاق لسانه بما لا يطاق من القول وكانوا يضربونه مثلآ لحدة المغاربة وكانوا يذكرون إقامته فى المدينة ورحلته إلى قسطنطينية وزيارته للأندلس وربما تناشدوا شعره فى بعض ذلك وكانوا يذكرون أن له مكتبة غنية بالمخطوط والمطبوع فى مصر وفى أوروبا وأنه لا يقنع بهذه المكتبة وإنما ينفق أكثر وقته فى دار الكتب قارئآ أو ناسخآ ثم كانوا يذكرون بعد ذلك متضاحكين قصته الكبرى تلك التى شغلته بالناس وشغلت الناس به وعرضته لكثير من الشر والألم وهى رأيه فى أن عمر مصروف لا ممنوع من الصرف وكان الصبى يسمع حديث عمر هذا فلا يفهم منه شيئآ أول الأمر ولكنه لم يلبث أن فهمه فى وضوح حين تقدم فى درس النحو وعرف الصرف والممنوع من الصرف وكان أولئك الشباب يذكرون مناظرات الشيخ مع جماعات من علماء الأزهر فى صرف عمر هذا أو منعه من الصرف ويتحدثون ضاحكين بأن العلماء أجتمعوا للشيخ ذات يوم فى الأزهر يرأسهم شيخ الجامع فطالبوا إليه أن يعرض عليهم رأيه فى صرف عمر فقال الشيخ فى لهجته المغربية المتحضرة لا أعرض عليكم هذا الرأى حتى تجلسوا منى مجلس التلاميذ من الأستاذ فتردد الشيوخ ولكن واحدآ منهم ماكرآ ماهرآ نهض عن مجلسه وسعى حتى كان بين يدى الشيخ فجلس على الأرض متربعآ وأخذ الشيخ فى عرض رأيه فقال أنشد الخليل:
                    يأيها الزارى على عمر            قد قلت فيع غير ما تعلم
    قال الشيخ الجالس مجلس التلميذ بصوته الماكر النحيف لقد رأيت الخليل أمس فأنشدنى البيت على هذا النحو يأيها الزارى على عمر ولم يدعه الشيخ الشنقيطى يتم إنشاده وإنما قطع عليه الإنشاد محتدآ وهو يقول كذبت كذبت لقد مات الخليل منذ قرون طويلة فكيف يمكن لقاء الموتى وجعل بعد ذلك يشهد الشيوخ على تعمد صاحبهم للكذب وعلى جهله بالنحو والعروض وضحك القوم وتفرق المجلس دون أن يقضى فى أمر عمر أممنوع من الصرف كما يقول النحاة أم مصروف كما يقول هذا الشيخ الغريب وكان الصبى يسمع هذا الكلام فيحفظه ويجد فيه اللذ فيما فهم منه ويعجب بما لم يفهم .
    2- حفظ الصبى معلقتى امرئ القيس وطرفة بن العبد :-
    وكان الشيخ يقرأ لبعض الطلاب هذه القصائد التى تعرف بالمعلقات وكان أخو الصبى وبعض أصدقائه يسمعو هذا الدرس فى يوم الخميس أو فى يوم الجمعة من كل أسبوع وكانوا يعدون هذا الدرس كغيره من الدروس وكذلك سمع الصبى لأول مرة :
               قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل        بسقط اللوى بين الدخول فحومل
    وما أسرع ما انصرف هؤلاء الطلاب الكبار عن هذا الدرس الذى يسيغوه ولكن أخا الصبى حاول أن يحفظ المعلقات فخفظ منها معلقة امرئ القيس ومعلقة مطرقة كان يردد الأبيات بصوت مرتفع والصبى يسمع فيحفظ وما يلبث أن أشرك الصبى معه فى الحفظ ولكنه لم يتجاوز هاتين المعلقتين وأنصرف إلى دروسه الأزهرية الأخرى وأستقرت المعلقتان فى نفس الصبى يحفظهما ولا يفهم منها إلا قليلآ .
    3- إقبال الصبى على دروس الأدب والإنشاء ونهج البلاغة والمقامات :-
    وكان هؤلاء الطلاب يتحدثون عن درس أخر كان يلقى فى الأزهر ليعلم الأزهريين صناعة الإنشاء وكان يلقبه شيخ سورى من خاصة الأستاذ الإمام وقد أختلف إليه هؤلاء الطلاب فإشتروا الدفاتر وكتبوا موضوعات الإنشاء ولكنهم عدلوا عنه بعد قليل كما عدلوا عن درس الشنقيطى وأقبل أخو الصبى ذات يوم ومعه مقامات الحريرى فجعل يحفظ بعضها رافعآ صوته بالقراءة والصبى يحفظ صامتآ ثم أشركه فى الحفظ كما أشركه فى حفظ المعلقات ومضيا فى ذلك حتى حفظا عشر مقامات ثم إنصرف الشيخ الفتى إلى الأصول والفقه والتوحيد كما إنصرف عن المعلقات ودرس الإنشاء وأقبل مرة أخرى ومعه كتاب ضخم يسمى نهج البلاغة فيه خطب الإمام على وقد شرحها الأستاذ الإمام نفسه فجعل يحفظ من هذه الخطب ويحفظ الصبى معه ثم أعرض عن هذا الكتاب كما أعرض عن غيره بعد أن حفظ الصبى طائفة من الخطب وصنع الشيخ الفتى هذا الصنيع نفسه بمقامات بديع الزمان الهمذانى .
    4- بيت فى قصيدة أبى فراس يثير تفكير الصبى :-
    ولم ينسى الصبى قط قصيدة أبى فراس :
                  أراك عصى الدمع شيمتك الصبر     أما للهوى نهى عليك ولا أمر
    فقد أقبل بها أخوه وقد طبعت مشطرة أو مخمسة شطرها أو خمسها بعض الأزهريين فجعل يقرأ فى هذه القصيدة ثم لم يلبث أن أعرض عن تشطير الأزهرى أو تخميسة وأخذ فى حفظ القصيدة نفسها مع أخيه وإنما ذكر الصبى هذه القصيدة لأنه صادف فى أثنائها بيتآ كان يقع فى أذنيه موقعآ غريبآ وهو قول أبى فراس :
                   بدوت وأهلى حاضرون لأننى        أرى أن دارآ لست من أهل قفر
    فقد قرأة الشيخ الفتى وأحفظه اخاه:( لأنى أرى أن دار الست من أهلها قفر) وكان الصبى يسأل نفسه عن معنى هذا البيت كما كان يرى غريبآ أن تأتى كلمة الست فى بيت من الشعر فلما تقدمت به السن وتقدمت به المعرفة أيضآ قرأ البيت على وجهه ففهمه وعرف ذلك أن كلمة الست ربما جاءت فى شعر المحدثين من العباسين ونثرهم أيضآ .
    5- حفظ الصبى لألوان الأدب وإقباله على ديوان الحماسة :-
    وكذلك أتصل صاحبنا بالأدب على هذا النحو المضطرب المختلط وجمع فى نفسه أطرافآ من هذا الخليط من الشعر والنثر ولكنه لم يقف عند شئ من ذلك ولم يفرغ له وإنما كان يحفظ منه ما يمر به حين تتاح له الفرصة ثم يمضى لشأنه وفى ذات يوم من أول العام الدراسى أقبل أولئك الشباب متحمسين أشد التحمس لدرس جديد يلقى فى الضحا ويلقى فى الرواق العباسى ويلقيه الشيخ سيد المرصفى فى الأدب وسموا ديوان الحماسة وكانوا قد فتنوا بهذا الدرس حين سمعوه فلم يعودوا إلى غرفاتهم حتى أشتروا هذا الديوان وأزمعوا أن يحضروا الدرس وأن يعنوا به وأن يحفظوا الديوان نفسه وأسرع أخو الصبى كعادته دائمآ فأشترى شرح التبريزى لديوان الحماسة وجلده تجليدآ ظريفآ وزين به دولابه ذاك وإن كان نظر فيه بين حين وحين وقد جعل أخو الصبى يحفظ ديوان الحماسة ويحفظه لأخيه وربما قرأ عليه شئ من شرح التبريزى وكان يقرؤه على نحو ما كان يقرأ كتب الفقه والأصول ويتفهمه على نحو ما يتفهم هذه الكتب وكان الصبى يحس أن هذا الكتاب لا ينبغى أن يقرأ على هذا النحو .
    6- أسباب إنصراف الطلاب عن درس الأدب وشيخه المرصفى :-
    ولكن أولئك الشباب لم يلبثوا أن أعرضوا عن هذا الدرس كما اعرضوا عن غيره من دروس الأدب لأنهم لم يروه جديدآ ولأنه لم يكن من الدروس الأساسية فى الأزهر ، وإنما كان درسآ إضافيآ من هذه الدروس التى أنشأها الأستاذ الإمام والتى تسمى دروس العلم الحديثة وكانت منها الجغرافيا والحساب والأدب ولأن الشيخ كان يسخر منهم فيسرف فى السخرية ويعبث بهم فيغلو فى العبث ساء ظنه بهم فرآهم غير مستعدين لهذا الدرس الذى يحتاج إلى الذوق ولا يحتمل الفنقلة وساء ظنهم به فرأوة غير متمكن من العلم الصيحي ولا بارعآ فيه وإنمات هو صاحب شعر ينشد وكلام يقال ونكت تضحك ثم لا يبقى منها  شئ ، وكانوا مع ذلك حراصآ على أن يحضروا هذا الدرس لأن الأستاذ الإمام كان يحميه ولأن الشيخ كان مقربآ من الأستاذ الإمام ينتهز كل فرصة لينشئ فى مدحة قصيدة يرفعها إليه ثم يمليها على الطلاب ، ويأخذ بعضهم يحفظها على أنها من جيد الشعر ورائعة لأنها كانت فى مدح الأستاذ الإمام وقد بذلوا ما أستطاعوا من الجهد للمواظبة على هذا الدرس ولكنهم لم يطيقوا عليه صبرآ فإنصرفوا عنه وعادوا إلى شايهم يستمتعون به فى الضحا على مهل وأنقطع عن صاحبنا ذكر الأدب بعد أن حفظ من ديوان الحماسة جزءآ صالحى ثم أشيع ذات يوم ان الشيخ المرصفى سيخصص يومين من أيام الأسبوع لقراءة المفصل للزمخشرى فى النحو فسعى صاحبنا إلى هذا الدرس الجديدولم يسمع للشيخ مرة ومرة حتى أحبه وكلف به وحضر درس الأدب فى أيامه من الأسبوع ولزم الشيخ منذ ذلك الوقت .
    7- قوة ذاكرة الحفظ عند الصبى :-
    وكان الصبى قوى الذاكرة فكان لا يسمع من الشيخ كلمة إلا وحفظها ولا رأيآ إلا وعاه ولا تفسيرآ إلا قيده على نفسه وكثيرآ ما كان يعرض البيت وفيه كلمة قد مضى تفسيرها أو إشارة إلى قصة قد قصها الشيخ فيما قدم من دروسه فكان صاحبنا يعيد على الشيخ ما حفظ من قصصه وتفسيره وما قيد من آرائه وخواطره ونقده لصاحب الحماسة وشرحها وتصحيحى لرواية أبى تمام وإكماله للمقطوعات التى كان أبو تمام يرويها .
    8- حب الصبى لدرس الأدب للمرصفى وحب شيخه له :-
    وإذا الشيخ يحب الفتى ويكلف به ويوجه إليه الحديث أثناء الدرس ويدعوه إليع بعد الدرس فيصحبه إلى باب الأزهر ثم يدعوه فى أن يصحبه فى بعض الطريق وقد دعاه ذات يوم إلى أن يبعد معه فى السير حتى أنتهى الشيخ وتلميذه هذا وتلاميذ أخرون إلى قهوة فجلسوا فيها وكان هذا أول عهد الفتى بالقهوات وقد طال المجلس منذ أن صليت الظهر حتى دعا المؤذن إلى صلاة العصر ، وعاد الفتى سعيدآ مغتبطآ قوى الأمل شديد النشاط ولم يكن للشيخ حديث إلى تلاميذه إذا تجاوز درس الأدب إلا الأزهر وشيوخه وسء مناهج التعليم فيه وكان الشيخ قاسيآ إذا طرق هذا الموضوع كان نقده لاذعآ وتشنيعه على أساتذته وزملائه أليمآ حقآ ولكنه كان يجد من نفوس تلاميذه هوى وكان يؤثر فى نفس هذا الفتى خاصة أبلغ تأثير وأعمقه ، وإذا الفتى يؤثر هذا الدرس على غيره من الدروس شيئآ فشيئآ ويختص أثنين من التلاميذ المقربين إلى الشيخ بمودته ثم بوقته إذا هم يلتقون إذا كان الضحا فيسمعون للشيخ ثم يذهبون إلى دار الكتب فيقرءون فيها الأدب القديم ثم يعودون إلى الأزهر بعد العصر فيجلسون فى هذا الممر بين الإدارة والرواق العباسى يتحدثون عن شيخهم وعما قرءوا فى دار الكتب ويعبثون بشيوخهم الآخرين ويعبثون بالداخلين والخارجين من الشيوخ والطلاب فإذا صليت المغرب دخلوا الرواق العباسى فسمعوا درس الشيخ بخيت الذى كان يقرأ فى تفسير القرآن مكان الأستاذ الإمام بعد أن توفى .
    9- كيفية تدريس الأدب وأثره فى النفوس :-
    وما أعرف شيئآ يدفع النفوس ولا سيما النفوس الناشئة إلى الحرية والإسراف فيها أحيانآ كالأدب وكالأدب الذى يدرس على نحو ما كان الشيخ المرصفى يدرسه لتلاميذه حين كان يفسر لهم الحماسة أو يفسر لهم الكامل بعد ذلك نقد حر للشاعر أولآ وللراوى ثانيآ وللشرح بعد ذلك واللغوين على أختلافهم بعد أولئك وهؤلاء ثم أمتحان للذوق ورياضة له على تعرف باطن الجمال فى الشعر أو النثر فى المعنى جملة وتفصيلآ وفى الوزن والقافية وفى مكان الكلمة بين أخواتها ثم أختبار للذوق الحديث فى هذه البيئة التى كان يلقى فيها الدرس وموازنة بين غلظة الذوق الأزهرى ورقة الذوق القديم وبين كلال العقل الأزهرى ونفاذ العقل القديم وأنتهاء من هذا كله إلى تحطيم القيود الأزهرية جملة وإلى الثورة على الشيوخ فى علمهم وذوقهم وفى سيرتهم وأحاديثم بالحق فى كثير من الأحيان والإسرف والتجنى فى بعض الأحيان .
    10- مجموعة الثلاثة من محبى الأدب وثورتهم على التقاليد القديمة :-
    ومن أجل هذا لم يثبت حول الشيخ من تلاميذه اللذين كتروا أول الأمر إلا نفر قليل وأمتاز منهم هؤلاء الثلاثة خاصة فكونوا عصبة صغيرة ولكنها لم تلبث أن بعد صوتها فى الأزهر وتسامع بها الطلاب والشيوخ وتسامعوا خاصة بنقدها للأزهر وثورتها على التقاليد وبما كانت تنظم من الشعر فى هجاء الشيوخ والطلاب وإذا هى بغيضة إلى الأزهريين مهيبة منهم فى وقت واحد .
    11- الشيخ المرصفى أديب وعالم ومثل أعلى :-
    ولم يكن الشيخ أستاذآ فحسب ولكنه كان أديبآ أيضآ ومعنى ذلك أنه كان يصطنع وقار العلماء إذا لقى الناس أو جلس للتعليم فى الازهر فإذا خلا غلى أصدقائه وخاصته عاش معهم عيشة الأديب فتحدث فى حريةمطلقة عن كل إنسان وعن كل موضوع وروى لخاصته من شعر القدماء ونثرهم وسيرتهم ما يثبت أنهم كانوا أحرارآ مثله يقولون فى كل شئ وفى كل إنسان لا متنطعين ولا متحفظين كما كان يقول وكان أيسر شئ وأهونه أن يذهب الطلاب مذهب شيخهم ولا سيما إذا أحبوه وأكبروه ورأوا فيه المثل الأعلى للصبر على المكروه والرضا بالقليل والتعفف عما لا يليق بالعلماء وأصحاب السلطان .
    12- أستقباله لتلاميذه فى منزله المتواضع :-
    كان تلاميذ الشيخ يرون منه ذلك رأى العين ويلمسونه بأيديهم ويعيشون معه فى حين كانوا يزورونه فى منزله ذلك المتهدم الخرب القديم فى حارة قذرة من حارات باب البحر يقال لها الركراكى هناك فى أقصى هذه الحارة كان يسكن الشيخ بيتآ قذرآ متهدمآ تدخل فيه من بابه فإذا انت فى ممر ضيق رطب تنبعث فيه روائح كريهة قد خلا من كل شئ إلا هذه الدكة الخشبية الضيقة الطويلة العارية التى قد أسندت إلى حائط يتساقط منه التراب وكان الشيخ ينزل إلى تلاميذه فيجلس معهم على هذه الدكة ولكنه يجلس راضيآ مطمئنآ يسمع لهم باسمآ ويتحث لهم أرق الحديث وأعذبه وأصفاه وأبرأه من التكلف وربما كان مشغولآ حين يقبل تلاميذه لزيارتها فيدعوهم إلى غرفته فيصعدون إليه فى سلم متهدم ويسلكون إليه دهليزآ خاليآ من كل شئ قد انتشر فيه ضوء الشمس حتى إذا بلغوا غرفته دخلوا على شيخ منحن قد جلس على الأرض ومن حوله عشرات الكتب يبحث فيهم عن مقطوعة يريد أن يتمها أو بيت يريد أن يفسره أو لفظ يريد أن يحققه أو حديث يريد أن يصحح الرأى فيه وعن يمينه أدوات القهوة فإذا دخلوا عليه لم يقم لهم وإنما تلقاهم مستبشرآ فرحآ ثم دعاهم إلى الجلوس حيث يستطيعون ودعا أحدهم إلى صنع القهوة وإدارتها عليه وعليهم ثم تحدث إيهم لحظات ثم دعاهم إلى أن يشاركوه فيما كان بسبيله من بحث أو تحقيق .
    13- الشيخ المرصفى يطعم أمه بيده :-
    ولم ينس الفتى وأحد صديقيه أنهما زارا الشيخ ذات يوم حين صليت العصر لما صعدا إليه لقيا شيخآ قد جلس على فراش متواضع إلقى فى هذا الدهليز وإلى جانبه امرأة محطمة قد انحنت حتى كاد رأسها يبلغ الأرض والشيخ يطعمها بيده فلما رأى تلميذيه هش لهما وأمرهما أن ينتظراه فى غرفته شيئآ ثم أقبل عليهم بعد حين وهو يقول ضاحكآ راضى النفس كنت أعشى أمى ، كان هذا الشيخ إذا خرج من داره صورة للوقار والدعة وأمن النفس وطمأنينة القلب وصفاء الضمير وكان صورة للغنى واليسار لا يحس من يتحدث إليه إلا رجلآ قد يسر عليه فى الرزق فهو يعيش عيشة أمن وهناءة وهدوء .
    14- الشيخ المرصفى من أشد الناس فقرآ ولكنه راض سعيد :-
    ولكن تلاميذه وخاصته كانوا يعلمون حق العلم أنه كان من أشد الناس فقرآ وأضيقهم يدآ وأنه كان ينفق الأسبوع أو الأسابيع لا يطعم إلا خبز الجراية يغمسه فى شئ من الملح ، وكان على ذلك يعلم أبنه تعليم ممتازآ ويرعى غيره من أبنائه الذين كانوا يطلبون العلم فى الأزهر رعاية حسنة ويدلل أبنته تدليلآ مؤثرآ يصنع هذا كله براتبه الضئيل الذى لم يكن يتجاوز ثلاثة جنيهات ونصف جنيه كان من أصحاب الدرجة الأولى فكان يتقاضى جنيهآ ونصف جنيه لذلك ، وكان الأستاذ الإمام قد كلفه درس الأدب فكان يتقاضى لذلك جنيهين وكان يستحى أن يقبض راتبه أول الشهر ويكره أن يختلط بالعلماء وهم يتهافتون على المباشر ليتقاضوا منه رواتبهم فكان يدفع خاتمه إلى تلميذ من خاصته ليقبض له هذا الراتب الضئيل فى الضحا ويؤديه إليه بعد الظهر .
    15- إعجاب التلاميذ به ومشاركتهم حياته ونقدهم له :-
    وكذلك كان يعيش هذا الشيخ وكان تلاميذه يرونه ويشاركونه فى حياته تلك البائسة الحرة الممتازة وكانوا يرون ويسمعون من أمر شيوخ أخرين ما كان يملأ قلوبهم غيظآ وحقدآ ونفوسهم ازدراء وأحتقار فأى غرابة فى أن يفتنوا بشيخهم ويتأثروه فى سيرته وفى مذهبه وفى ازدرائه للأزهرين وثورته بما كان لهم من تقاليد لم ينكر تلاميذ الشيخ عليه فى ذلك العهد إلا أنه إنحرف ذات يوم عن الوفاء للأستاذ الإمام حين تولى الشيخ الشربينى مشيخة الأزهر فنظم الشيخ قصيدة يمدح فيها الشيخ الجديد وكان تلميذآ للشيخ ومحبآ له وكان الشيخ الشربينى خليقآ بالحب والأعجاب وأملى الشيخ المرصفى على تلاميذه قصيدته التى سماها ثامنة المعلقات والتى عارض بها قصيدة طرفة فلما فرغ من إملائها والتف حوله تلاميذه مضى فى الثناء على أستاذه وعرض بالأستاذ الإمام شيئآ فرده بعض تلاميذه فى رفق فأرتد آسفآ خجلآ وأستغفر الله من خطيئته وكذلك أندفع هؤلاء التلاميذ فيما دفعهم إليه حبهم للشيخ وتأثرهم به فأسرفوا على أنفسهم وعلى شيخهم أيضآ .
    16- إقبال الطلاب على دروس الأدب والشعر :-
    لم يكتفوا بهذا العبث الذى كانوا يعبثونه بالشيوخ والطلاب ولكنهم يجهرون بقراءة الكتب القديمة وتفضيلها على كتب الأزهريه ويقرءون كتاب سيبوية أو كتاب المفصل فى النحو ويقرءون كتابى عبد القاهر الجرجانى فى البلاغة ويقرءون دواوين الشعراء ولا يتحرجون فى أختيار هذه الدواوين ولا فى الجهر بإنشاد ما فيها من شعر المجون أحيانآ فى الأزهر ويقلدون هذا الشعر ويتناشدون ما ينشئون من ذلك إذا التقوا والطلاب ينظرون إليهم شزرآ ويتربصون بهم الدوائر وينتهزون بهم الفرص وربما أقبل عليهم بعض الطلاب الناشئين يسمعون منهم ويتحدثون إليهم ويريدون أن يتعلموا منهم الشعر والأدب فيغيظ ذلك نظراءهم من الطلاب الكبار ويزيدهم موجدة عليهم وائتمارآ بهم .
    17- أتهامات للصبى أمام شيخ الأزهر وكبار العلماء:-
    وإن فتياننا الثلاثة لفى مجلسهم حول الشيخ عبد الحكم عطا وإذا هم يدعون إلى حجرة شيخ الجامع فيذهبون واجمين لا يفهمون شيئآ فإذا دخلوا على الشيخ حسونه لم يجدوه وحده وإنما وجدوا من حوله أعضاء مجلس إدارة الأزهر وهم من كبار العلماء فيهم الشيخ بخيت والشيخ محمد حسنين العدوى والشيخ راضى وآخرون ويلقاهم الشيخ متجهمآ ثم يامر رضوان رئيس المشدين أن يدعو من عنده من الطلاب فيقبل جماعة من الطلاب فيسألهم الشيخ عما عندهم ويتقدم أحدهم فيتهم هؤلاء الفتية بالكفر لمقالتهم فى الحجاج ثم يقص من أمرهم الأعاجيب .
    18- الطلاب يشهدون على الصبى وصاحبيه مما يؤدى إلى محو أسمائهم من الأزهر :-
    وكان هذا الطالب ماهرآ حقآ فقد أحصى على هؤلاء الفتيه كثيرآ جدآ مما كانوا يعيبون به الشيوخ ومما كانوا يعيبون به الشيخ بخيت والشيخ محمد حسنين والشيخ راضى والشيخ رفاعى وكانوا جميعآ حاضرين فسمعوا بآذانهم آراء الفتيه فيهم وشهد طلاب آخرون بصدق هذا الطالب فى كل ما قاله وسئل الفتيه فلم ينكروا مما سمعوا شيئآ ولكن الشيخ لم يحاورهم ولم يداورهم وإنما عدا إليه رضوان فأمره فى شدة بمحو أسماء هؤلاء الطلاب الثلاثة من الأزهر لأنه لا يريد مثل هذا الكلام الفارغ ثم صرفهم عنه فى عنف فخرجوا وجلين قد سقط فى أيديهم لا يعرفون ماذا يصنعون ولا كيف يصورون هذه القصة لأهلهم.
    19- إلغاء درس الكامل الذى يلقيه الشيخ المرصفى :-
    ولم يقف أمرهم عند هذا الحد ولا عند نظر الطلاب إليهم فى ضحك منهم وشماتة بهم ولكنهم أقبلوا بعد صلاة العشاء ليلقوا شيخهم المرصفى وليسمعوا منه درس الكامل وأقبل الشيخ فلقيه رضوان وأنبأه فى أدب ولطف بأن شيخ الجامع قد ألغى درس الكامل وبأنه ينتظره فى مكتبة إذا كان الغد .
    20- أستعطاف الصبى وصاحبيه للشيخ بخيت مما أدى إلى مجادلته وغضبه :-
    فأنصرف الشيخ محزونآ ومضى معه تلاميذه الثلاثة خجلين وجلين والشيخ يسرى عنهم مع ذلك حتى إذا كانوا فى بعض الطريق خطر لهم إن يذهبوا إلى الشيخ بخيت ليستعطفوه ويوسطوه عند شيخ الجامع وقال لهم شيخهم لا تفعلوا فلن تبلغوا من سعيكم هذا شيئآ ولكنهم مضوا مع ذلك إلى دار الشيخ بخيت فلما أدخلوا عليه عرفهم فتلقاهم ضاحكآ ثم سألهم عن جلية أمرهم فى فتور فلما أخذوا يدافعون عن أنفسهم قال لهم فى فتور أيضآ ولكنكم تدرسون الكامل للمبرد وقد كان المبرد من المعتزلة فدرس كتابه إثم وهنالك نسى الفتيه أنهم جاءوا مستعطفين وأخذوا يجادلون الشيخ حتى أحفظوه وإنصرفوا عنه حتى ملأه الغضب وملأهم اليأس ولكنهم مع ذلك تضاحكوا مع الشيخ وأعادوا بعض كلماته وتفرقوا وقد تعاهدوا على أن يخفوا الأمر على أهلهم حتى يقضى الله أمرآ كان مفعولآ ولقوا شيخهم من الغد فأنبأهم بأن الشيخ قد حظر عليه قراءة الكامل وكلفه قراءة المغنى لأبن هاشم ونقله من الرواق العباسى إلى داخل الأزهر .
    21- هجوم على شيخ جامع الأزهر وخوف الشيوخ منه وحزن الفتى :-
    ثم جعل الأستاذ يعبث بشيخ الجامع ويزعم لتلاميذه أنه لم يخلق للعلم ولا للمشيخة وإنما خلق لبيع العسل الأسود فى سرياقوس وكان قد فقد أسنانه فكان ينطق السين ثاء وكان يتكام لغة القاهرة فكان يجعل القاف همزة ويمد الواو بينها وبين السين وكان يتكلم هامسآ فلم ينسى تلاميذه قط هذه الجملة التى طبعوا بها الشيخ حسونه رحمه الله فسموه بائع الثل فى ثرياؤوث ولكن بائع سرياقوس هذا كان شديدآ حازمآ وكان مهيبآ صارمآ يخافه الشيوخ جميعآ ومنهم الشيخ المرصفى فقد أخذ كتاب المغنى وذهب إلى تلاميذه مطمئنين وما يعنيهم أن يقرأ الشيخ هذا الكتاب أو ذاك حسبهم أن يقرأ الشيخ وأن يسمعوا منه ويقولوا له وقد سمعوا منه فلما هم الفتى أن يقول له بعض الشئ أسكته فى رفق وهو يقول لأ لأ عاوزين ناكل عيش ولم يعرف الفتى أنه حزن منذ عرف الأزهر كما حزن حين سمع هذه الجملة من أستاذ فإنصرف عنه ومعه صديقاه وأن قلوبهم ليملؤها حزن عميق .
    22- موقف الأصدقاء الثلاثة بعد محو أسمائهم من الأزهر :-
    على أنهم لم يرضوا بهذه العقوبة التى فرضها عليهم شيخ الجامع وإنما فكروا فى الطريق التى يجب أن يسلكوها ليرفعوا عن أنفسهم هذا الظلم ، فأما أحدهم فقد أثر العافية وفارق صاحبيه وأتخذ لنفسه مجلسآ فى جامع المؤيد بمعزل من العدو والصديق حتى تهدأ العاصفة وأما الأخر فقص الأمر على على أبيه ، وجعل أبوه يسعى فى إصلاح شأن أبنه سعيآ رفيقآ ولكن الفتى لم يفارق صاحبه ولم يععتزل عدوآ ولا صديقآ وإنما كان يلقى صاحبه كل يوم فيتخذان مجلسهما بين الرواق العباسى والإدارة ويمضيان فيما تعودا أن يمضيا فيه من العبث بالطلاب والشيوخ .
    23- مهاجمة الصبى الأزهر ومطالبته بالحرية :-
    وأما صاحبنا فلم يحتج إلى أن يقص الأمر على أخيه فقد أنتهى الأمر إلى أخيه من طريق لا يعرفها ولكن أخاه لم يلمه ولم يعنف عليه وإنما قال له أنت وما تشاء فستجنى ثمرة هذا العبث وستجدها شديدة المرارة ولكن الفتى لم يكن يعرف رفقآ ولا لينآ فلم يسمع إلى أحد ولم يتوسل إلى الشيخ بأحد وإنما كتب مقالآ عنيفآ يهاجم فيه الأزهر كله وشيخ الأزهر خاصة ويطالب بحرية الرأى وماذا يمنعه من ذلك وكانت الجريدة قد ظهرت وكان مديرها يدعو كل يوم إلى حرية الرأى وذهب صاحبنا بمقاله إلى مدير الجريدة فتلقاه لقاء حسنآ فيه كثير من العطف والأشفاق وقرأ المقال ثم دفعه ضاحكآ إلى صديق له كان فى مجلسه يومئذ فألقى الصديق نظرة على هذا المقال ثم قال غاضبآ لو لم تكن قد عوقبت على ما جنيت من ذنب لكانت هذه المقالة وحدها كافية لعقابك وهم الفتى أن يرد على هذا الصديق ولكن مدير الجريدة قال له مترفقآ إن الذى يحدثك هو حسن بك صبرى مفتش العلوم الحديثة فى الأزهر ثم قال له أتريد أن تشتم الشيخ وتعيب الأزهر أم تريد أن يرفع عنك هذا العقاب بل أريد أن يرفع عنى هذا العقاب وأن أستمتع بحقى من الحرية قال مدير الجريدة فدع لى إذن هذه القصة وإنصرف راشدآ .
    24- شيخ الأزهر كان يهدد الثلاثة فقط ولم يمح أسماءهم :-
    وقد إنصرف الفتى ثم لم يلبث أن تبين وتبين معه صاحباه أن شيخ الجامع لم يعاقبهما ولم يمح أسماءهم من سجلات الأزهر وإنما أراد تخويفهم ليس غير ومنذ ذلك الوقت أتصل الفتى بمدير الجريدة وجعل يتردد عليه حتى جاء وقت كان يلقاه فيه كل يوم .
    25- الصبى الشيخ يلبس الطربوش بعد العمامة :-
    وفى مكتب مدير الجريدة ظفر الفتى بشئ طالما تمناه وهو أن يتصل ببيئة الطرابيش بعد أن سئم بيئة العمائم ولكنه اتصل ببيئة الطرابيش بأرقاها منزلة وأثراها ثراء وكان وهو فقير متوسط الحال جدًا إذ أقام فى القاهرة فأتاح له فى ذلك أن يفكر فيما يكون من هذه الفروق الحائلة بين الأغنياء المترفين والفقراء البائسين .
    ملخص الفصل :
    ■ وقع اسم الشيخ الشنقيطي من نفس الصبي موقعاً غريباً ، وزاد موقعه غرابة ما كان يسمعه من أعاجيب الشيخ وأطواره الشاذة وآرائه .
    ■ ولقد تحدث الطلاب بأنهم لم يروا ضريباً (مثيلاً ، شبيهاً) مثله في حفظ اللغة ورواية الحديث ، ويتحدثون بسرعته في الغضب وانطلاق لسانه بما لا يطاق ولقد أثار الشيخ الناس بقضية منع كلمة عمر من الصرف .
    ■ ولقد تحدث الطلاب على درس آخر يلقى في الأزهر يعلم الأزهريين صناعة الإنشاء انضم الطلاب إليه سريعاً وهجروه كما هجروا درس الشيخ الشنقيطي .
    ■ ولقد شغل الفتى الشيخ نفسه وشغل أخاه بحفظ المعلقات وديوان الحماسة والمقامات .
    ■ أقبل أولئك الشباب متحمسين أشد التحمس لدرس جديد يلقى في الضحى ، ويلقى في الرواق العباسي ، ويلقيه الشيخ المرصفي في الأدب ، وسمعوا ديوان الحماسة فلم يعودوا إلى غرفاتهم حتى اشتروا هذا الديوان ثم انصرفوا عن هذا الدرس كما انصرفوا عن غيره من دروس الأدب ؛ لأنه لم يكن من الدروس الأساسية في الأزهر وإنما كان درساً إضافياً من هذه الدروس التي أنشأها الأستاذ الأمام .
    ■ ولقد كان الشيخ رافضاً لمناهج التعليم في الأزهر وكان نقده لاذعاً وتشنيعه أليماً ووجد ذلك قبولاً لدى الصبي ورفاقه .
    ■ ولقد كان للمرصفي طريقة جديدة في شرح الأدب يبدأ بنقد حر للشاعر أولاً ، وللراوي ثانياً وللشرح بعد ذلك ثم للغويين ثم امتحان للذوق واختبار للذوق الحديث
    ■ ورغم انصراف الطلاب عن الشيخ إلا أن الصبي وجماعة كونوا عصبة صغيرة انتشر خبرها في الأزهر بدأ هؤلاء يعبثون بالشيوخ والطلاب ويجهرون بقراءة الكتب القديمة مثل كتاب سيبويه والمفصل في النحو مع دواوين الشعراء القدماء وكتاب الكامل للمبرد .
    ■ ودعي الفتية إلى حجرة شيخ الجامع الذي أمر بشطب أسماء هؤلاء الطلاب من الأزهر.
    ■ ولم يستسلم هؤلاء بل ذهبوا لعرض الأمر في الصحافة وكتب الصبي مقالاً يهاجم فيه الأزهر وشيخه وقرأ المقال حسن بك صبري مفتش العلوم المدنية بالأزهر ووعد الفتية بإلغاء قرار الأزهر .
    ■ وتبين للفتى بعد ذلك أن شيخ الجامع لم يعاقبهم ولم يمح أسماءهم من سجلات الأزهر وإنما أراد تخويفهم ليس غير ، ومن ذلك الوقت اتصل الفتى بمدير الجريدة وبالبيئة الجديدة بيئة الطرابيش .

    س : كان لمشايخ الأزهر دور واضح في إقبال الصبي على تعلم الأدب . وضِّح ذلك .
    جـ : بالفعل فالشيخ الشنقيطي كان لا مثيل له في حفظ اللغة ورواية الحديث سنداً ومتناً عن ظهر قلب ؛ مما جعل الصبي يُعجب به ويتتلمذ على يديه ، وحين سمع شرحه للمعلقات زاد إعجابه مما جعله يحفظ بعضها ، وكذلك الحال بالنسبة لشرحه ديوان الحماسة الذي كان يلقيه الشيخ سيد المرصفي ، فقد حفظ الصبي قدراً لابأس منه .
    س : ما القصة التي شغلت الناس بالشيخ الشنقيطي وشغلته بهم ؟
    جـ : القصة : رأيه في أن كلمة "عمر" مصروفة لا ممنوعة من الصرف .
    س : كيف حفظ الصبي معلقتين وعشر مقامات من مقامات الحريري ؟ ومتى توقف الحفظ ؟
    جـ : عن طريق ترديد أخيه بصوت مرتفع لهذه الدروس التي يدرسها فكان الصبي يسمع فيحفظ صامتاً .
    -وتوقف الحفظ عندما انصرف الشيخ الفتى إلى دروس الأصول والفقه والتوحيد .
    س: ما البيت الذي كان يقع في أذن الصبي موقعاً غريباً عندما كان يسمعه من أخيه ؟ ولماذا ؟
    جـ : بيت لأبي أبي فراس يقول: بدوت وأهلي حاضرون لأنني *** أرى أن داراً لستُ من أهلها قفرُ
    فقد قراه الشيخ الفتى وأحفظه أخاه : لأنني أرى دار (السِّت) من أهلها قفر . فقد كان يرى غريباً أن تأتي كلمة " الست " في بيت من الشعر . فلما تقدمت به السن وتقدمت به المعرفة أيضاً قرأ البيت على وجهه الصحيح ففهمه .
    س : كيف كان اتصال الصبي بالأدب في تلك الفترة ؟
    جـ : كان اتصاله مضطرباً (مهتزاً) مختلطاً ، فقد جمع في نفسه أطرافاً من هذا الخليط من الشعر والنثر . ولكنه لم يقف عند شيء من ذلك ولم يفرغ له ، وإنما كان يحفظ منه ما يمر به حين تتاح له الفرصة ، ثم يمضي لشأنه .
    س :ما الأسباب الحقيقية التي جعلت الشيخ الفتى الأخ يفضّل درس الشيخ سيد المرصفي في الأدب ؟
    جـ : الأسباب : الطريقة التي يتبعها في تدريسه لفتت نظره وجذبته مساحة الحرية الواسعة التي كانت تمكنه من القراءة والشرح والتفسير لكل ما يدور حول النص بطريقة جعلته يعجب به ، ويؤثرها في التدريس على غيرها من طرق شيوخ الأزهر العقيمة في التدريس ، وعدم سماحهم بالمناقشة أو الحوار بل قد تصل الأمور إلى التعدي بالضرب والشتم والسب مما يضطر الطلاب إلى الاكتفاء بالحفظ والتلقين ، حتى ولو كان بدون فهم أو إقناع .
    س : ما الذي جعل هؤلاء الطلاب ينصرفون عن درس الشيخ المرصفي ؟
    جـ : لقدأعرضوا (ابتعدوا) عن هذا الدرس كما أعرضوا عن غيره من دروس الأدب ؛ لأنهم لم يروه جداً ، ولأنه لم يكن من الدروس الأساسية في الأزهر وإنما كان درساً إضافياً من هذه الدروس التي أنشأها الأستاذ الإمام ، والتي كانت تسمى دروس العلوم الحديثة ، وكانت منها الجغرافيا والحساب والأدب . ولأن الشيخ كان يسخر منهم فيسرف في السخرية ، ويبعث بهم فيغلوا (يتجاوز الحد ، يزيد) في العبث وساء ظنه بهم ، فرآهم غير مستعدين لهذا الدرس الذي يحتاج إلى الذوق ولا يحتمل الفنقلة (القنفلة : نحت من قولهم : فإن قيل . . .) ، وساء ظنهم به ، فرأوه غير متمكن من العلم الصحيح ولا بارع فيه ، وإنما هو صاحب شعر ينشد وكلام يقال ، ونكت تضحك ثم لا يبقي منها شيء .
    س : لماذا أحب الطلاب الشيخ المرصفي ؟
    جـ : أحبوه ؛ لأنهم رأوا فيه المثل الأعلى للصبر على المكروه والرضا بالقليل ، والتعفف عما لا يليق بالعلماء من تقرب إلى أصحاب السلطان ، فقد كان يعيش في منزل متهدم خرب قديم في حارة قذرة من حارات باب البحر يقال لها " حارة الركراكي " ، تدخل فيه من بابه ، فإذا أنت في ممر ضيق رطب تنبعث فيه روائح كريهة ، قد خلا من كل شيء إلا هذه الدكة الخشبية الضيقة الطويلة العارية التي قد استندت إلى حائط يتساقط منه التراب .
    س : متى انحرف الشيخ المرصفي عن الوفاء للأستاذ الإمام ؟
    جـ : حين تولى الشيخ الشربيني مشيخة الأزهر ، فنظم الشيخ قصيدة يمدح فيها الشيخ الجديد ، وكان تلميذاً للشيخ محباً له . وكان الشيخ الشربيني خليقاً (جديراً) بالحب والإعجاب . وأملى الشيخ المرصفي على تلاميذه قصيدته التي سماها ثامنة المعلقات ، والتي عارض بها قصيدة طرفة . فلما فرغ من إملائها ، والتف حوله تلاميذه ، مضى في الثناء على أستاذه ، وعرّض (عاب) بالأستاذ الإمام محمد عبده شيئاً ، فرده بعض تلاميذه في رفق ، فارتد آسفاً خجلاً واستغفر الله من خطيئته .
    س : بمَ جهر الطلاب تلاميذ الشيخ المرصفي ؟
    جـ : جهروا بقراءة الكتب القديمة وتفضيلها على الكتب الأزهرية . فكانوا يقرءون كتاب سيبويه أو كتاب المفصل في النحو ، ويقرءون كتاب الجرجاني في البلاغة ، ويقرءون دواوين الشعراء لا يتحرجون في اختيار هذه الدواوين ولا في الجهر بإنشاد ما كان فيها من شعر المجون (الخلاعة) يقولونه أحياناً في الأزهر . ويقلدون هذا الشعر ويتناشدون ما ينشئون من ذلك إذا التقوا .
    س: (وشهد طلاب آخرون بصدق هذا الطالب في كل ما قاله . وسئل الفتية فلم ينكروا مما سمعوا شيئاً . ولكن الشيخ لم يحاورهم ولم يداورهم) .
    1-  ما الذي سمعه الفتية ؟ وعلامَ يدل عدم إنكارهم لما سمعوا ؟       
    2-  بمَ عاقب شيخ الأزهر الفتية ؟     
    3 -  كيف حاول كل منهم رفع الظلم عن نفسه ؟
    جـ : 1 - سمعوا أحد الطلاب يحصي (يعدّد) على هؤلاء الفتية كثيراً جداً مما كانوا يعيبون به الشيوخ الأزهريين أصحاب المدرسة القديمة في التعليم .
              - يدل عدم إنكارهم لما سمعوا اعترافهم بصدق هذا الكلام .
           2 - عاقب شيخ الأزهر الشيخ " حسونة " الفتية بمحو أسمائهم من الدراسة بالأزهر .
           3 - وقد حاولوا رفع الظلم عن أنفسهم بأن ذهبوا إلى الشيخ بخيت ليستعطفوه ويوسطوه عند شيخ الجامع الذي ردهم في فتور (برود). ثم آثر العافية أحدهم وفارق صاحبيه واتخذ لنفسه مجلساً في جامع المؤيد بمعزل من (بعيداً عن) العدو والصديق حتى تهدأ العاصفة ، أما الثاني فقص الأمر على أبيه ، وجعل أبوه يسعى في إصلاح شأن ابنه سعياً رقيقاً . ولكن الفتى لم يفارق صاحبيه ولم يعتزل عدواً ولا صديقاً ، وإنما كان يلقى صاحبه كل يوم فيتخذان مجلسهما بين الرواق العباسي والإدارة ، ويمضيان فيما تعودا أن يمضيا فيه من العبث بالطلاب والشيوخ . وأما صاحبنا (طه) فلم يسع إلى أحد ولم يتوسل إلى الشيخ بأحد ، وإنما كتب مقالاً عنيفاً يهاجم فيه الأزهر كله وشيخ الأزهر خاصة ويطالب بحرية الرأي .
    س : ماذا فعل شيخ الجامع الأزهر مع الشيخ المرصفي أيضاً ؟
    جـ : استدعاه لمكتبه وحظر عليه (منعه من× سمح له) قراءة الكامل ، وكلفه بقراءة المُغْني لابن هشام ، ونقله من الرواق (مكان الدراسة) العباسي إلى عمود في داخل الأزهر .
    س : وما رأي الشيخ المرصفي في شيخ الجامع الأزهر ؟
    جـ : رأي الشيخ المرصفي في شيخ الجامع الأزهر : إنه لم يخلق للعلم ولا للمشيخة ، وإنما خلق لبيع العسل الأسود في سرياقوس .
    س : تغيَّرت نظرة الرفاق الثلاثة إلى شيخهم المرصفي في آخر الأمر . وضِّح ذلك ، وما أثر ذلك على نفس الفتى ؟
    جـ : بالفعل فعندما أخذ يقرأ كتاب المغني ، وذهب إليه تلاميذه مطمئنين ، وما يعنيهم أن يقرأ الشيخ هذا الكتاب أو ذاك . حسبهم (يكفيهم) أن يقرأ الشيخ وأن يسمعوا منه ويقولوا له وقد سمعوا منه . فلما هَمَّ الفتى أن يقول له بعض الشيء أسكته في رفق وهو يقول: (لأ ، لأ ، عاوزين نأكل عيش) . ولم يعرف الفتى أنه حزن منذ عرف الأزهر كما حزن حين سمع هذه الجملة من أستاذه ، فانصرف عنه ومعه صديقاه ، وقلوبهم يملؤها حزن عميق .
    س : كيف عرف شقيق الصبي ما حدث ؟ وماذا كان رد فعله ؟
    جـ : انتهى الأمر إليه عن طريق لا يعرفها الصبي . ولكنه لم يلمه ولم يعنف عليه ، وإنما قال له :
    " أنت وما تشاء فستجني ثمرة هذا العبث وستجدها شديدة المرارة ".
    س : ما رأي صديق مدير الجريدة في المقال الذي كتبه الصبي ؟ وما صلته بالأزهر ؟
    جـ : رأيه : أن هذه المقالة الشديدة وحدها كافية لعقابه .
        - صلته بالأزهر : كان مفتش العلوم الحديثة في الأزهر واسمه حسن بك صبري .
    س : ما الذي اكتشفه الصبي وصاحباه في النهاية ؟
    جـ : اكتشفوا أن شيخ الجامع لم يعاقبهم ولم يمحِ أسماءهم من سجلات الأزهر ، وإنما أراد تخويفهم فقط .
    س : ما الشيء الذي طالما تمناه الفتى وحصل عليه في مكتب مدير الجريدة ؟
    جـ : تمنى أن يتصل ببيئة الطرابيش (الباشاوات والبكوات) بعد أن سئم بيئة العمائم (طلاب الأزهر وشيوخه) ، ولكنه اتصل من بيئة الطرابيش بأرقاها منزلة وأثراها ثراء ، وكان وهو فقير متوسط الحال في أسرته ، سيئ الحال جداً في القاهرة . فأتاح له ذلك أن يفكر فيما يكون من هذه الفروق الحائلة (الحاجزة ، المانعة) بين الأغنياء المترفين (المنعّمين ) والفقراء البائسين

    تحميل قصة الايام لطه حسين


    الآن مع التحميل كل من يجد صعوبة في تنسيق المراجعة عليه التوجه إلي نهاية هذا الموضوع والضغط علي رابط التحميل للحصول علي المراجعة منسقة ومرتبة وبصيغة وورد ويمكن التعديل عليها ، هي نفس المراجعة ولكن منسقة بطريقة احترافية وهذا رابط تحميل قصة الأيام تلخيص .

    إرسال تعليق